مقالات

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : الوطن المستباح وصوت السيادة المقموع

نقطة إرتكاز

 

 

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، يتكشّف أمام العالم مشهد مرعب لوطن يُستباح بكل وقاحة، وسيادة تُكمّم بكل خبث، في ظل تواطؤ دولي وصمت إقليمي مريب. ما يحدث ليس مجرد تمرّد مسلّح أو توترات داخلية، بل هو فصل دامٍ من مؤامرة مفتوحة، تُدار بعناية من خارج الحدود، وتُنَفَّذ على الأرض السودانية بسواعد ميليشيات تمكّنت بفضل الدعم الخارجي والتسهيلات الإقليمية.

 

إقليم دارفور الذي كان عنواناً للتنوع والكرم أصبح مرتعاً للجريمة المنظمة، مأوى للمرتزقة والجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وملاذاً لقيادات ميليشياوية تُمارس كل أشكال القتل والتنكيل دون حساب، بدعم مالي وسياسي ولوجستي من جهاتٍ لا تخفي طموحاتها في إعادة رسم خارطة السودان وفق مصالحها الضيقة. مدينة الفاشر ليست مجرد نقطة استراتيجية، بل رمزٌ لما يُراد فرضه من واقع قسري جديد، عبر إذلال المدنيين وتهجيرهم وحرمانهم من الحد الأدنى من الأمان.

 

هذه الوقائع لا يجب أن تُترك معلّقة في دهاليز التقارير والوثائق، بل يجب أن تُعلَن صراحةًأمام العالم. إن وجود مرتزقة يحملون جنسيات كولومبية وأجنبية في ساحات القتال داخل السودان ليس خبراً عابراً، بل دليلٌ دامغ على أن الحرب تجاوزت الأطر المحلية وأصبحت مسرحاً لتصفية الحسابات الدولية. وهذا يجعل من واجب الدولة السودانية المبادرة فوراً إلى عقد مؤتمر رسمي مشترك بين وزارة الخارجية ووسائل الإعلام الوطنية والعالمية، يُدعى إليه ممثلو البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، من أجل عرض الحقائق والوثائق المرئية، لكشف حجم المؤامرة وكسر جدار الصمت المضروب حول نداءات الشعب.

 

لكن الأخطر من كل ذلك هو غياب الصوت الرسمي القوي، الصوت الذي يُعبّر عن السيادة وينطق باسم الدولة، والذي يجب أن يُسمع بوضوح في المحافل الإقليمية والدولية. ذلك الصوت يظل مكموماً إما بفعل الخوف أو الحسابات السياسية أو اختراقات داخلية، وهذا هو التهديد الحقيقي الذي يجعل الوطن مكشوفاً ومستباحاً.

 

السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى مقاومة ميدانية، بل إلى معركة وعي سياسي ومواجهة دبلوماسية حاسمة وإعلام مستقل يتحمّل مسؤولية فضح التواطؤ وكشف الأكاذيب. هذا الوطن يُذبح علناً، والسيادة تُقمع تحت طاولة المصالح، والشعب يقف في مواجهة لحظةٍ لا تحتمل الحياد. إما أن يُرفَع الصوت اليوم، أو يطول الصمت حتى يصير صفةً دائمة لوطن مفقود، كانت فيه السيادة يوماً صوتاً لا يُقهر. حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى