ناجي الكرشابي يكتب : حينما يجأر عامر وتستجيب الدولة..!

في خطوة طال انتظارها، صدر قرار سيادي بإيقاف أعمال الصيانة للمنشآت والمرافق الحكومية بولاية الخرطوم، وهو قرار يُحسب للدولة السودانية، لا عليها. فمثل هذه الخطوة، وإن أتت متأخرة، إلا أنها تصب في صميم المصلحة الوطنية العليا، وتضع النقاط فوق الحروف في معركة توثيق الجريمة، وكشف الفاعلين، ووضع الأسس الصحيحة للعدالة وإعادة الإعمار.
لقد سبق أن نادى الخبير الأمني والاستراتيجي عامر حسن، في مقاله المنشور بتاريخ 14/ أبريل الماضي، بإيقاف أعمال الصيانة في القصر الجمهوري، وكتب بحسّ وطني يقظ وتحليل استراتيجي ناضج، أن أي عملية ترميم قبل إجراء مسح جنائي شامل، ستُعد طمسًا للأدلة، وفرصة ضائعة لملاحقة المجرمين.
لقد قال أستاذنا عامر حينها، في نداء ناصح “رجاء لا تمحو للمجرم آثار جريمته بحماس مستعجل غير مستبصر، ولا مدرك لحقائق وحجم الجرم الواقع على أمة السودان تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا”.. وهذه العبارة وحدها تكفي لتكون عنوانًا للمرحلة، ومنارةً تهدي العابرين وسط ركام الخراب.
فالمنشآت الحكومية التي طالها التدمير ليست فقط مباني إدارية، بل هي مسارح جرائم مكتملة الأركان، يجب أن تخضع أولاً للمسح الجنائي، والتوثيق الإعلامي، والتحقيق العدلي، وفق ما حدده “العامر” بدقة في مقاله، وهذا لا يعني تعطيل الحياة، بل يعني ترتيب الأولويات وفق مقتضيات العدالة، لا الرغبة الإدارية.
إن البدء في الترميم قبل حصر الجرائم، وتوثيق المفقودات، وإعداد الملفات القانونية، هو بمثابة منح الجناة عفوًا ضمنيًا، أو على الأقل تمكينهم من الإفلات من العقاب عبر إزالة معالم فعلهم الآثم، سيما وأنه يُفقد الدولة فرصتها الثمينة في مخاطبة الجهات الدولية ـ مثل مجلس الأمن، واليونيسكو، ومجلس حقوق الإنسان ـ بلغة الأدلة لا الشعارات.
القرار السيادي إذًا، يعكس استدراكًا ناضجًا وخطوة شجاعة، ويعيدنا إلى المبدأ القديم “العدالة أولًا.. ثم الإعمار.”
فلنحافظ على آثار الجريمة حتى نحاكم من ارتكبها، ثم نعيد بناء ما تهدم، على أساسٍ من الوعي، والتوثيق، والحقيقة. وكما يقول المثل”أن تأتي متأخرًا، خيرٌ من ألا تأتي أبدًا”.

