ناجي الكرشابي يكتب : بورتسودان.. وقسوة يوسف عبد المنان..!

في مقاله المعنون بـ”ضاعت الفرصة”، قدّم الأستاذ يوسف عبد المنان ـ وهو من الأقلام الصحفية المعتبرة التي نجلّها ونحترم تجربتها الطويلة ـ قراءة غاضبة عن واقع مدينة بورتسودان بعد انتقال الحكومة القومية إليها في ظل الحرب. ومهما اختلفنا مع المقال من حيث المضمون، فلا يسعنا إلا أن نثمّن حرص الكاتب على تناول قضايا الشرق، حتى إن جانبه الصواب هذه المرة.
أستاذ يوسف، بورتسودان لم تُمنح الفرصة أصلاً حتى يُقال إنها أضاعتها. جاءت الحكومة إلى المدينة بلا خطة واضحة، ولا تصور عمراني، ولا ميزانيات طوارئ، ثم تراجعت تدريجيًا إلى مجمعات بعيدة، بلا أثر يُذكر على حياة الناس. فهل يُعقل أن تُحمَّل المدينة وأهلها مسؤولية غياب المشروع القومي؟
صحيح أن بعض المباني الحكومية خضعت لطلاء أو صيانة شكلية، وأن بعض الاستراحات تغيّر أثاثها، لكن هل هذا يُسمى تنمية؟..
صيانة بيوت الموظفين وتأثيث غرف الضيافة ليست نهضة عمرانية، بل نوع من التجميل المؤقت لا يخدم المواطن الذي ظلّ واقفًا في طوابير الرغيف والماء، وغارقًا في الظلام، ومحاصرًا بشوارع محفّرة لا تعرف “الزفت”.
بورتسودان تحتاج إلى دعم حكومة المركز للبنى التحتية، لا أسرّة إسفنجية.. إلى المزيد من خزانات مياه الشرب .. لا ستائر فخمة تعلق في جدران “الاستراحات” .. إلى توسعة الميناء، لا توسعة غرف الضيوف .. فهل نقيس رفاهية المدن بحجم البلاط في غرف البعض أم بمدى تدفّق الخدمات للجميع؟
أما وصف أهل المدينة بأنهم لم يستقبلوا الحكومة بحفاوة، فذلك حديث عاطفي، يتجاهل واقع مدينة مرهقة فُرض عليها حمل دولة كاملة، بجهازها التنفيذي، وعجوزات مواردها، وقيادات حركاتها، وولاة ولاياتها، والبعثات الدبلوماسية ، ..الخ!.. ثم يطُلب منها أن تُصفق!
هل المطلوب من المواطن البسيط أن “يحتفي” بمن جاء ليأخذ غرفة حكومية في استراحة، ثم لم يترك خلفه سوى النفايات ؟..
أما ما ذكره الأستاذ عن الوالي الهمام الفريق ركن مصطفى محمد نور، فلم يكن منصفًا. فقد التقيت الرجل شخصيًا قبل نحو سبعة أشهر في بورتسودان، وتحدثت معه حول عدد من القضايا. فوجدته هادئًا، منصتًا، ميدانيًا، لا يهوى التصريحات، بل ينشغل بالفعل في صمت، رغم ما يواجهه من تحديات لوجستية وضغوط مركّبة بين المركز والميدان.
الرجل ورث مدينةً كانت على الحافة، ثم أُغرقت فجأة بالوزارات، وقيادات الحركات، والشركات، والمنظمات الدولية، والبعثات الدبلوماسية، والوفود. ومع ذلك، اجتهد ـ بقدر استطاعته ـ في الحفاظ على استقرار الخدمات، وتنسيق السلطات، وحماية الأمن المجتمعي في مدينة تنوء بأكثر مما تحتمل.
أما التلميح غير المنصف بشأن الناظر محمد الأمين ترك، فكان مؤسفًا. أن يُختزل الرجل في “لحية لا تروق للعلمانيين”، فذلك ليس نقدًا موضوعيًا، بل زلة تعبّر عن منطق هش، يليق بالناظر ترك ما قاله الشاعر الكبير الدسوقي:
شيخٌ كأن وقارَ الكونِ لحيتهُ
وآخرونَ دماهُم كونَت نسبي
وأصدقاءٌ عيونُ فضلهم مددٌ
إن حدّثوكَ حسبتَ الصوتَ صوتَ نبي!
الناظر ترك لم يكن يومًا متسلقًا. بل كان حاضرًا حين كان كثيرون غائبين.
ألم تجدوه حين تصدّى بشجاعة لمشروع تفكيك الدولة؟
حين كان سدًّا شعبيًا وسياسيًا في وجه حكومة “الهمبول” حمدوك، تلك التي تصرف عليها السفارات وتديرها الأجندات الأجنبية؟.
ألم يكن لمواقفه الأثر البالغ في كسر ظهر المخطط الخارجي وكشف عجز تلك الحكومة عن إدارة البلاد وبناء توافق وطني حقيقي؟.
ومع ذلك، لم يبحث عن منصب، ولا فاوض لأجل موقع، ولا فرض نفسه على أحد.. ولا يجوز أن يُعامل رموز الشعب وكأنهم عبء أو كروت تفاوض.
الشرق لا يحتاج إلى من يسخر من زعمائه، بل إلى من يفهم معاناته، ويعيد إليه حقه في التنمية والمياه والتعليم والخدمات.
أما الحديث عن التمثيل السياسي، فقد بدا وكأنه يطالب الشرق بالصمت والرضا لأن أحد أبنائه أو بناته عُيِّن وزيرًا أو عضوًا في مجلس السيادة. وهذه معادلة مجحفة. فالمشاركة في السلطة لا تعني إسقاط الحق في التنمية. بل يجب أن تكون جسراً لها، لا مبررًا لإخماد المطالب.
وفي النهاية، لسنا من هواة الرد لأجل الرد، لكن حين يُوضَع المواطن في قفص الاتهام وتُبرَّأ الدولة، يصبح الصمت خيانة للحقيقة.
نجلّ أستاذنا يوسف عبد المنان، ونحترم قلمه، لكننا نختلف معه هنا بوضوح: من أضاع الفرصة ليس المواطن، ولا حتى حكومة الولاية، بل حكومة المركز التي جاءت بلا رؤية، ولا خطة، ولا أدوات تنفيذ.
ومن خذلكم في بورتسودان ليس أهلها، بل من اكتفى بدهان المباني وترك الخزانات تجف، والطرق تتآكل، والأسواق تغرق في النفايات والظلام.
بورتسودان وغيرها من مدن السودان لا تحتاج إلى الذم والمدح… فقط تحتاج إلى أن تُعامَل كمدن تستحق الحياة — من حكومة مركزية نعلّق عليها آمالاً كبيرة، لا خيباتٍ إضافية.

