مقالات

ناجي الكرشابي يكتب :حينما يصبح الوفاء خيانةً..!

 

في كل كيان – سياسيًا كان، أو نقابيًا، أو حتى تجاريًا – تنشأ الأزمات غالبًا من خلل داخلي قبل أن تأتيها الرياح من الخارج. وإن أردت أن تفتش عن أصل الداء في أي مؤسسة تواجه اختناقًا أو فشلًا متكررًا، فابحث عن “الثابت” المحتكِر… ذاك الشخص أو التيار الذي يرفض التزحزح، والذي يجرّ المؤسسة خلفه كلما تحرك الزمن إلى الأمام، دون أن يعترف بأن أدواته قد انتهت صلاحيتها.

هذا “المحتكِر” لا يظهر دائمًا في هيئة مستبد أومعاند. بل أحيانًا يتوشّح بلغة الخبرة، أو يلبس قناع الوفاء، فهو يتقن فن اختطاف العناوين النبيلة. لكنه في جوهره لا يفعل سوى شيء واحد “تعطيل الفاعلية الجماعية، وإهدار طاقة المؤسسة. ولهذا نقترح أيها القارئ الكريم توصيفه بـ”طاقة الخراب”… لأنه وإن بدا ثابتًا إلا أنه يولّد الفوضى، ويفرغ أي جهد من مضمونه ، ويجعل المؤسسة دائمآ في حالة “هياج” وشد وجذب ويشغلها عن أهدافها وقيمها العليا التي ما أنشئت إلا لأجلها.

في المقابل، هناك “متغير” أو متحرك… وهو غالبًا ذلك الشخص الذي قد يكون من صلب المؤسسة ، لكنه قرر أن يرى الواقع بعين جديدة، وربما يطرح الأسئلة الممنوعة، ويدعو إلى التقييم والتجديد في الأفكاروالاساليب، هذا المتحرك لا يعني أنه دائمًا على صواب، لكنه على الأقل “لا يدفن رأسه في الرمل”، ولا يتعلّق بمجدٍ قديم على حساب المستقبل.

ومما سبق فإن الحل في كثير من الأزمات لا يتطلب معجزات، بل اعترافًا شجاعًا من “الثابت المحتكِر” بأن الطريق القديم قد انتهى، وأن صموده لم يعد بطولة، بل صار عبئًا عليه وعلى المؤسسة. أما الإصرار على الإنكار، فهو أشبه بمن يترك النزيف مستمرًا لأنه لا يريد الإعتراف بالجُرح .

فبعد اعتراف هذا الثابت أو طاقة الخراب “سمه ما شئت” بدوره المُعطِّل للعمل، لا يبقى أمام الإدارة العليا أو المسؤول الأول إلا أن يتخذ القرار الذي تأخر كثيرًا: إعادة ضبط البوصلة، وفكّ الارتباط مع ما يعيق السير، فالإبقاء على الخلل بعد ظهوره ليس حكمة.

والمضي قدما في تنفيذ أهدافه المؤسسة العليا، وإخراجه من دائرة التأثير، لأن المراهنة على من كان سببًا في العطب هو تكرار للخطأ باسم الوفاء، وهذا أخطر من الخطأ نفسه.

هذه ليست دعوة لتصفية الحسابات، بقدر ما هي نداءٌ لإعادة تعريف المصلحة الجماعية والعقل الجمعي لاي مؤسسة.. سواء كانت حزبية أو جمعية أو شركة قطاع عامأو حتى خاص. فحين تغيب المراجعة، تتحول الكيانات إلى رهائن لطاقة الخراب، وتصبح النهايات حتمية… وللتاريخ في ذلك شواهد لا تُحصى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى