حين يغيب القرار يتحكم الدولار

تحليل : دكتور جاد الله فضل المولى
في ظل فراغ سياسي خانق، يواصل الدولار الأمريكي صعوده الجنوني مقابل الجنيه السوداني، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد. وبينما ينتظر الشارع السوداني تشكيل حكومة كفاءات قادرة على انتشال الاقتصاد من الهاوية، تتسارع وتيرة الانهيار النقدي، ويزداد الضغط على المواطن الذي بات عاجزاً عن مجاراة الأسعار.
سجل الدولار في السوق الموازية خلال الأيام الماضيةأرقاماًقياسية متجاوزاً حاجز ٢٨٠٠جنيه سوداني في حين لا تزال الجهات الرسمية عاجزة عن تقديم تفسير أو حلول. حيث يُرجع ذلك الي التدهور إلى غياب السياسات النقدية الفاعلة، وانعدام الرقابة على سوق الصرف، إضافة إلى المضاربات الواسعة التي تغذيها حالة عدم الاستقرار.ما يحدث ليس مجرد تراجع في قيمة العملة، بل هو انهيار شامل للثقة في النظام المالي.
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م ،لم يتمكن الفرقاء السياسيون من التوصل إلى صيغة توافقية لتشكيل حكومة وطنية. هذا الغياب ترك البلادبلا قيادة اقتصادية وبلا مؤسسات قادرة على ضبط السوق أو إدارة الأزمة. البنك المركزي كانه معزول عن المشهد.فهل توجد جهة مسؤولة عن مراقبة حركة النقد الأجنبي؟.
في ظل غياب الرقابة، أصبحت السوق السوداء هي المرجع الحقيقي لتحديد سعر الدولار، مما أدى إلى فوضى في الأسعار، وتفاوت كبير بين المناطق، خاصة في ظل انقطاع بعض الولايات عن النظام المصرفي الرسمي.
التجار يحددون الأسعار بناءً على سعر الدولار اليومي.عمليات تهريب الذهب والوقود تغذي الطلب على الدولار. المواطنون يلجأون إلى الدولار والذهب كملاذات آمنة.
الانعكاسات على حياة المواطن كارثية. فمع كل ارتفاع في سعر الدولار،ترتفع أسعار السلع الأساسية، من الخبز إلى الأدوية، في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.الرواتب لا تكفي لأسبوع، وكل يوم الأسعار تتغير. فقد تجاوز التضخم ثلاثمائة في المائة في بعض المناطق.تآكل الطبقة الوسطى وازدياد معدلات الفقر. تفشي السوق الموازي في كل القطاعات، من الوقود إلى الدواء
إذاً ماهي الحلول؟. أن الحل يبدأ من السياسة، لا من الاقتصاد. فبدون حكومة ذات شرعية وقدرة تنفيذية، ستظل كل الإجراءات مجرد مسكنات مؤقتة.ضرورة تشكيل حكومة انتقالية موحدة ذات كفاءات وطنية مستقلة لإدارة الدولة. إعادة هيكلة النظام المصرفي وضبط سوق الصرف. استعادة ثقة المواطن عبر الشفافية والإصلاح المؤسسي.
حين يغيب القرار يتحكم الدولار عبارة تختصر مأساة السودان اليوم. فغياب الدولة لا يعني غياب الخدمات، بل يعني غياب الأمل، وترك المواطن فريسة لقوى السوق والمضاربين. إن استعادة القرار الوطني ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية عاجلة لإنقاذ ما تبقى من الجنيه… ومن الوطن. حفظ الله السودان وشعبه.


