
في ظلال الفوضى التي تعمّ السودان، تنشط أيادٍ خفية لا تحمل السلاح فقط، بل تقطع الأسلاك وتنهب ما تبقى من شرايين الحياة. إنها مافيا النحاس، شبكة إجرامية منظمة تتغذى على انهيار الدولة، وتحوّل كوابل الكهرباء إلى عملة صعبة تُباع في الأسواق العالمية، بينما يغرق المواطن في ظلام دامس.
ليست هذه مجرد سرقات عشوائية، بل تجارة خفية تُدار بعناية، تبدأ من الأحياء المنكوبة وتنتهي في موانئ التهريب، حيث يُباع الطن الواحد من النحاس المسروق بآلاف الدولارات. وبينما تُشعل هذه التجارة جيوب المجرمين، تُطفئ النور عن المدارس والمستشفيات والمنازل، وتُشعل الخراب في جسد وطنٍ يُنهك يوماً بعد يوم. ماحدث لقطاع الكهرباء من دمار لايمكن إصلاحه بين عشيه وضحاها.
ما يحدث في السودان ليس مجرد حوادث متفرقة، بل نمط إجرامي متصاعد يستهدف البنية التحتية للكهرباء بشكل ممنهج. تُقطع الأسلاك من المحولات، تُفكك الكوابل من الأعمدة، وتُنهب المعدات من المحطات في عملية معقدة وممنهجة.
اللافت أن هذه السرقات لا تقتصر على مناطق نائية، بل طالت مدناً رئيسية. وهذا ما يُشير إلى وجود شبكات منظمة تمتلك أدوات لوجستية، وممرات تهريب، وعلاقات داخلية وخارجية.
النحاس يُعد من أكثر المعادن طلباً في العالم، ويُستخدم في الصناعات الكهربائية والإلكترونية. في السودان، يُباع النحاس المسروق أولاً في أسواق محلية مثل نيالا، ثم يُهرّب إلى دول الجوار، ليصل في النهاية إلى أسواق عالمية مثل سوق دبي، حيث يُباع الطن الواحد بنحوسته الف دولار.
هذه التجارة تُدر أرباحاً
ضخمة على حساب البنية التحتية المنهارة، وتُغذي شبكات إجرامية تتغذى على الفوضى والفساد، بينما لا يعود على السودان سوى الظلام والانهيار.
مافيا النحاس لا تسرق مجرد أسلاك، بل تسرق مستقبل وطن بأكمله. إنها جريمة مزدوجة تدمير للبنية التحتية، واغتيال لفرص النهوض.إن الصمت على هذه الظاهرة هو تواطؤ غير مباشر، وإن التهاون في مواجهتها هو خيانة لحق الأجيال القادمة في وطن مضاء بالأمل لا مطفأ بالخراب.
لقد آن الأوان أن يتحرك الجميع الدولة، والمجتمع، والإعلام، والمؤسسات الدولية. فإما أن نُطفئ نار الخراب، أو نُطفأ نحن في عتمة الإهمال.حفظ الله السودان وشعبه. meehad74@gmail.com


