
خرج السودان من أزمة كادت أن تعصف بكيانه، لكن قيادة المجلس السيادي والقوات المسلحة أظهرت حنكة استثنائية في إدارة الأزمة، ما ساهم في استعادة الاستقرار وحماية الوطن من الانزلاق في مستنقع الحروب الممتدة كما حدث في دول قريبة. غير أن التحدي القادم لا يقل خطورة، بل قد يكون أكثر تعقيداً كيف نصنع سوداناً جديداً يرتكز على وعي الشعب ومؤسسات دولة تخدم لا تتسلّط؟
لقداستطاع المجلس السيادي وبمهنية وشجاعة، أن يعبر بالسودان إلى بر الأمان، مكتسباًثقة شعبه، مدعوماً بتضحيات منسوبي القوات المسلحة ومساعديهم ورغم استعجال البعض،كانت قرارات الحسم مدروسة وواقعية، وهو ما جعل نهاية النزاع أقصر وأقل كلفة مما توقعه المواطن.
أثبتت القيادة احترامها لإرادة الشعب حين أتاحت له مساحة مدنيةلإدارة مستقبله لكنها فرصة مشروطة بوعي جماعي، لا تكرار فيهاللفوضى ولا مكان فيها للديمقراطية الشكلية أو الشعارات السياسية الجوفاء. ما يُبنى الآن يجب أن يراعي التضحيات ويترجمها إلى قواعد حاكمة للسلوك السياسي والاجتماعي.
الرهان اليوم ليس على الأشخاص بل على الشعب. هو المعادلة الحاسمة، إن امتلك الوعي والنزاهة وروح المراقبة والمحاسبة. فلا فساد يُبرر، ولا محسوبية تُسامَح، ولا مجاملة في الحق. على المواطن أن يكره الفساد كما يكره الخراب،وأن يحارب كل أشكال الانتهازية الاجتماعية والسياسية.
لابد من سن تشريعات وقوانين قوية تُجرّم استغلال العمل السياسي داخل المؤسسات التعليمية،وتفصل بين الأمن القومي والعمل الحزبي. فحرية التعبير لا يجب أن تكون وسيلة لتمزيق الوطن، كما أن الأمن القومي ليس محل تفاوض، بل خط أحمر لكل السودانيين.
إن استنساخ النماذج الغربية للديمقراطية في بلد مثل السودان، في ظل نسبة الأمية العالية والتباينات القبلية، هو مقامرة غير محسوبة. المطلوب نظام حكم يراعي هذه الخصوصيات، يبني مؤسسات قوية، ويُحمى من التلاعب الحزبي.
لا مكان للرمزية والشعارات. يجب أن تنهض الوزارات بخبرات مهنية ذات كفاءة، وأن تختفي مظاهر التبذير والبهرجة السياسية. فالوزير خادم للشعب لا نجم في احتفاليات إعلامية.والشرطة مطالَبة بمتابعة كل أجنبي وتحقيق السيادة الكاملة للدولة. والسفارات الأجنبية يجب أن تُبعد عن تفاصيل الشأن الداخلي كحق سيادي لا جدال فيه.
سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى عقد وطني يقوم على المحاسبة، العمل الجاد، وبناء مؤسسات تحترم المواطن وتخضع له، لا العكس. فليكن الشعب هو الدولة، ودرعها الحامي، وروحها اليقظة، وعقلها المفكر.حفظ الله السودان وشعبه.

