
خارج النص
*ودّعت سيارتي والقيت عليها نظرة وهي جاثمة على رجليها وسط حوش البيت وعدت إلى “٢٥” عاماً مضت والعود أحمد في الحياة لانعمة تدوم ولاقتر يبقى للأبد ولسان حالي “إذا أدبرت الدنيا على امرئ سلبته محاسن نفسه” ،تركت العربة وشأنها وخرجت لأقرب موقف مواصلات سيراً على أقدامي شأني ومئات الطلبة والعمال والجنود الذين يقاتلون نيابة عنا ويضحون من أجلنا بينما نحن لانسد حاجة أسرهم نيابة عنهم.
*عدت لنحو ربع قرن حينما امتلكت عربة “أتوس” لأول مرة كانت رمادية تحملني وأحلامي التي تكبر حينا وتصغر حينا آخر من الثورة الحارة “٢١” إلى عمارة الفيحاء حيث صحيفة ألوان والحق والجمال، والدنيا خضراء فاقع لونها ،في إحدى الأيام كنت أجوب الخرطوم وأنا في عز الشباب قد شعرت يوماً بالزهو وأنا أقود سيارتي تذكرت الماضي البعيد حينما كنت امتطي حماري بين الدبيبات ومسقط راسي قرية الميع وفجأة قررت ردع نفسي عن زهوها وتركت العربة لأسبوع وركعت بعد الضحى واستغفرت لرب العالمين ولكن اليوم أرغمتني الظروف على الترجّل قسراً وقهراً بعد أن بلغ سعر جالون البنزين “١٢٠” الف جنيه يدفعها البعض وهو يلعن ويتضجّر ولكن آمثالنا أين لهم بمئة وعشرين الف كل يوم وتنتظرنا الأسرة بتوفير أم رقيقة وخبز الغداء وشاي الصباح الحافي من (اللقيمات) فما قيمة العربة أصلاً إن كانت عبئاً ثقيلاً وخصماً على مصروف اليوم. *ركبت من الإسكان حتى السوق العربي ثلاثة مواصلات ودفعت “١١” الف جنيه والمواصلات العامة لها فوائد منها إنني عدت لعادتي القديمة أمسكت بكتاب فصوص الحكم لمحي الدين بن عربي شيخ المتصوفة الذي كتب في حياته أربعمائة عنوان وذلك مالم يكتبه ابن سيناء ولا الإمام الغزالي طويت أربعين صفحة من الإسكان للعربي وعدت بمثلها ولكن دفعت أقل منها فقط ٧ الف من الجنيهات وشعرت بالرضا. *ولكن المواصلات العامة سوف تتوقف قريباً إذا مضى الحال منحدراً إلى أسفل بص وراء بص وحافلة بعد أخرى، وربما توقفت المدارس قريباً إذا لم يُبعد وزير النفط، وقد شهد سوق المواد البترولية يوم أمس ارتفاعاً جنونياً وتوقفت أغلب الباصات السفرية بين المدن ولذلك
فكرت في البدائل لشخصي وابنتي طالبة الطب في عامها الأول هل نشتري دراجه هوائية؟ وهل يستطيع من هو في عمري قيادة دراجة هوائية؟ أم الخيار الأنسب موتر كهربائي ولكن أين أجد الكهرباء وقد قضى الجنجويد -أقصد الحبش ومن ورائهم الإمارات- على محطات التوزيع في أغلب مدن السودان ولم تعد مواتر الكهرباء هي الحل والمدن مظلمة .
*إذن الحل في شراء حمار من دنقلا أغبش عليه غرة في جبينه عريض المنكبين طويل الذيل شعره بل الصحيح صوفه قرقدي نعلفه في اليوم بملوة من الفتريتة وسعرها الآن “٣٩” الف جنيه وحزمة من البرسيم سعرها عشرة الف جنيه وحزمة من ابوسبعين بخمسة الف جنيه لتبلغ كلفة الحمار اليوميه “٥٥” الف جنيه ونجعله جزء من الأسرة يقيم داخل الحوش خوفا من النهابين وتكلفة الحمار أقل من كلفة العربة بقليل ولكن إذا كان خيار شراء حمار هو الحل فلماذا لاتشتري يايوسف جمل بشاري نحيف يطوي الأرض طي وتغني له بنات الثورة والاسكانات وأم ضريوه وأم بدة
الولد البخاف من القبيلة تلومو
يخلف ساقو على التيس
الرقيق قدومو
أما جاب رضوة البهم المزرد
فومو
واما اتخامشن قدح الرماد حرومو
ولكن الجمل البشاري لن يستطيع السير في شوارع الخرطوم التي ربما خلت من السيارات خلال اسبوعين لتستريح فيها فقط سيارات الحكومة والجيش والأمن والمشتركة والنور القبة.
*كل الخيارات لحل مشكلة التنقل مسدودة أمامي إلا خيار الحمار الأغبش وهو الخيار الأكثر موضوعية ولكن بالضرورة أن تشرّع حكومة البروف كامل إدريس قوانين حركة للحمير وتدريب شرطة خاصة براكبي الحمير وتخصّص الحكومة نيابة خاصة لمخالفات الحمير وربما نحتاج لمحكمة خاصة أيضاً ولن يقصر الوالي الهمام أحمد عثمان حمزه في تخصيص موقف خاص للحمير جوار الجامع الكبير وبالضرورة التصديق بدكاكين كبيرة جداً لعلف الحمير في وسط الخرطوم بعد أن يتنازل الناس عن عرباتهم تحت وطأة أزمات الوقود التي استعصت على الحل وبدا الحل في الحمير ولا شيء غير الحمير.



