
يقيني الذي لا يتزحزح أن ما نشهده اليوم من محاولات لتعكير صفو العلاقات السودانية المصرية ليس وليد الصدفة، بل هو عمل ممنهج تقف خلفه أيادٍ خفية تريد النيل من واحد من أهم المكتسبات الاستراتيجية التي تحققت بجهد الدولة وجهد الإعلام الوطني المخلص في البلدين خلال السنوات الماضية.
لقد وصلت العلاقات بين الخرطوم والقاهرة إلى مكانة رفيعة وغير مسبوقة، عنوانها التنسيق اليومي والمستمر على أعلى المستويات، وتجاوزها لكل الحواجز المصطنعة. فالقضايا الكبرى والملفات الشائكة التي تحتاج إلى نقاش عميق وإلى لجان فنية متخصصة، متروكة لتقديرات حكومتي البلدين، وهناك قنوات اتصال مفتوحة على مدار الساعة لمعالجة كل ما يهم أمن واستقرار وادي النيل.
إن الحوادث المؤسفة التي وقعت مؤخراً، سواء في مناطق التعدين بشمال الوادي أو حادثة الخرطوم التي راح ضحيتها شقيقان مصريان، هي حوادث فردية ومعزولة تماماً، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُحسب على شعب أو تُعمم على أمة.
رحم الله شهداءنا في مناطق التعدين، وتقبل الله شهيدي الخرطوم من إخواننا المصريين بواسع رحمته. هذه الأحداث لا تمثل الشعب السوداني الأصيل المعروف بمكارم الأخلاق وإكرام الضيف، وخاصة ضيوفه من أهل مصر الذين لم يبخلوا يوماً على السودانيين، ففتحوا بيوتهم وقلوبهم وكانوا الملاذ الآمن والوطن الثاني لملايين السودانيين من شباب وشيوخ ونساء وأطفال خلال أحلك الظروف التي مرت بها البلاد.
لقد أثبتت مصر أنها السند الحقيقي، وأثبت السودان أنه العمق الاستراتيجي الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
إن هذه الأيادي العابثة التي تنشط في الغرف المظلمة وعلى منصات التواصل الاجتماعي لبث السموم وإشعال الفتنة، فشلت في الماضي وسوف تفشل اليوم وغداً. فشلت لأنها تراهن على علاقة هشة، بينما الحقيقة أن العلاقة بين مصر والسودان ضاربة في جذور التاريخ، ممتدة عبر آلاف السنين، علاقة دم ونيل ومصير مشترك، لم تكن يوماً من الأيام قابلة للاهتزاز أو المساومة.
المطلوب اليوم هو مزيد من الوعي، ومزيد من المسؤولية الإعلامية، وترك القضايا القانونية للعدالة لتأخذ مجراها، والقضايا السياسية للدبلوماسية لتعالجها بحكمة.



