مقالات

دكتور جادالله فضل المولي يكتب : الإشاعات المغرضة سلاح يقتل البسطاء قبل الرصاص

نقطة ارتكاز

 

في زمن الحرب كل شيء وارد، وكل شيء مباح عند من لا يملك شرفاً ولا ديناً ولا وطناً، ونحن في السودان الذي يعاني من حرب مجنونة منذ ثلاث سنوات لم نعد نموت بالرصاص وحده بل أصبحنا نموت بالإشاعة قبل الرصاصة وبعدها، فالإشاعة المغرضة اليوم أصبحت سلاحاً أخطر من المسيرة وأفتك من المدفع وأكثر دماراً من الدانة التي تسقط على البيوت الآمنة.

 

إن البسطاء يا سادتي هم الضحية دائماً، البسطاء الذين يجلسون في مراكز الإيواء وفي القرى البعيدة وفي المدن التي أنهكها النزوح لا يملكون انترنت قوياً ولا يملكون مصدراً موثوقاً ولا يملكون وعياً استخبارياً يميز الخبيث من الطيب، فتأتيهم الإشاعة على طبق من ذهب كاذب عبر رسالة واتساب أو عبر فيديو مفبرك بذكاء اصطناعي أو عبر صفحة تحمل اسماً مستعاراً يقول لهم إن مدينتكم ستسقط غداً وإن الجيش انسحب وإن الجنجويد على بعد خطوة منكم فماذا يفعلون يتركون بيوتهم ويحملون أطفالهم ويمشون في الصحراء بلا ماء ولا زاد ويموتون في الطريق رعباً وجوعاً قبل أن يصلهم عدو حقيقي حرب الإشاعات.

 

هذه هي الجريمة المكتملة التي ترتكبها غرف الإشاعات التي تديرها أبوظبي بمالها وعملاؤها بأقلامهم الرخيصة إنهم لا يطلقون رصاصة واحدة لكنهم يقتلون مدينة كاملة بإشاعة واحدة، يقولون إن الدولار أصبح بتسعة الف فينهار السوق في لحظة، ويقولون إن الدواء انعدم فيموت المريض قبل أن يبحث عن الدواء، ويقولون إن المفاوضات باعت القضية فيفقد المقاتل في الميدان معنوياته وهو الذي ينتظر كلمة تثبته.

 

لقد عشنا ثلاث سنوات من الأكاذيب الممنهجة، ثلاث سنوات من القول إن البنك اوالمصنع اوالشركة الفلانية يفتتحها إماراتي فتنهار المعنويات فنقول ماذنب المواطن الإماراتي مع الحكومة السودانية مشكلتنا مع حكومة أبوظبي وليس مواطنيها ياشعب اوعوا ،إن الدولة باقية مابقي الشعب مجود لوحه باقية مادام هناك اصطفاف لاتلتفتوا لإي إشاعة مغرضه العدو شغال ويحضر كلما ضحدت اشاعة دبرت اشاعة اخري لذا عليكم بالمناعة واخذ المعلومات من مصدر موثوق

الشعب يستيقظ كل صباح يجد أن الجيش يتمدد والشعب يلتف حوله أكثر والدولة باقية رغم أنف المرجفين، ثلاث سنوات وهم يصنعون لنا كل يوم هزيمة نفسية جديدة وكل يوم نصر مزيف لمليشيا مهزومة في الميدان فلا تجد إلا الكذب سلاحاً لها.

 

إن أخطر ما في الإشاعة المغرضة أنها لا تستهدف وعي النخبة فالنخبة تعرف كيف تتحقق وتدقق وإنما تستهدف قلب أم بسيطة تخاف على وليدها وتستهدف عقل رجل عجوز لا يملك إلا راديو صغير وتستهدف شاباً نزح من بيته ولا يعرف هل يعود أم لا، فتزرع في قلبه خوفاً وفي عقله شكاً وفي روحه هزيمة قبل أن تبدأ المعركة أصلاً.

 

وحزين جداً أن ترى شعباً عظيماً مثل شعب السودان الذي صبر على الجوع والقصف والتشريد ينهار أحياناً أمام كلمة كاذبة منشورة على فيسبوك، وحزين جداً أن ترى وطناً قوياً متيناً بجيشه وشعبه يهتز للحظة بسبب تسجيل صوتي مفبرك او فيديو محبوك بذكاء اصطناعي، لا يساوي ثمن إنتاجه، وحزين جداً أننا لم نتعلم بعد أن الحرب النفسية هي نصف الحرب وأن العدو حين يعجز عن كسر سلاحك يحاول أن يكسر قلبك بالإشاعة.

 

فهل من مضاد؟ نعم المضاد موجود وهو ليس مستحيلاً، المضاد هو أن نكون كلنا إعلاماً مضاداً، أن لا ننقل كل ما نسمع، وأن لا نصدق كل ما يقال، وأن نسأل أنفسنا قبل أن نرسل الرسالة من المستفيد من خوفي هذا ومن المستفيد من هزيمتي النفسية هذه، المضاد هو أن نثق في جيشنا أكثر من ثقتنا في قروب واتساب مجهول، وأن نثق في وطننا أكثر من ثقتنا في صفحة ممولة من أبوظبي، وأن نعلم أن ثلاث سنوات من الصمود لا يمكن أن تكسرها إشاعة وأن شعباً قدم آلاف الشهداء لا يمكن أن يهزمه بوست رخيص.

 

يا أهل السودان إن الرصاصة تقتل رجلاً واحداً لكن الإشاعة تقتل أمة كاملة فلا تكونوا عوناً للعدو على أنفسكم، توقفوا، تثبتوا، تبينوا، فإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، هذه آية من السماء نزلت لتكون مضاداً لكل اشاعات الارض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى