مقالات

دكتور صلاح دعاك يكتب : خرجنا من الخرطوم لثلاثة أيام… وعدنا بعد ثلاث سنوات

عاجل ١٢

من الأشياء العالقة في ذهني،،، عندما اندلعت الحرب في الخرطوم بقينا حوالي عشرة أيام على أمل أن يتوقف إطلاق النار وتنتهي الحرب. كان معظم الأهل قد خرجوا إلى مدني وشندي، وكانوا على تواصل مع زوجتي وأخي ويحثونهم على الخروج. أما أنا فلم أكن أضع فكرة الخروج في ذهني أصلاً؛ كان كل المشهد عندي يوحي أن الأمر مجرد أيام وستعود الحياة كما كانت.
ومع ضغط التواصل من أفراد الأسرة بدأ القلق يتسلل إليهم، وبدأوا يضغطون عليّ للخروج. عندها اضطررت إلى قطع الماء عن البيت، وكنا نجلبه من مصانع قريبة. كنا نرى المضادات الجوية فوق رؤوسنا، وأحياناً طائرات وانفجارات تكاد تحسبها داخل البيت. وفي لحظة حلقت طائرة فوقنا، ثم وقع دوي انفجار شديد شعرنا معه أن البيت قد تدمر بالفعل. عندها وقف كل أفراد الأسرة، فيهم أخي وزوجته، وظهرت الخوف في عيونهم، وبدأ الضغط يتصاعد عليّ، بينما كنت أحاول أن أقدم المبررات بأن الوضع ستهدأ قريباً.
لكن القلق بدأ يتسع داخلي، فقد عرفت أن بعض السيارات، وخاصة اللاندكروزر، أصبحت مستهدفة، وأن بعض الناس تم إنزالهم من سياراتهم ومصادرتها. في تلك اللحظة شعرت أن الأمر يخرج عن السيطرة، خاصة مع تجمع أفراد الأسرة والخوف الواضح في عيونهم.
ولي بنت عمرها حوالي ثماني سنوات، تعرف طبيعة عملي في مناطق النزاع: العراق وسوريا واليمن ودارفور. فنظرت إلى الموجودين وقالت: “بابا أصلاً متعود يعمل في مناطق الحرب… عشان كده ما بطلع من هنا ” قالتها بسخرية طفولية لطيفة، محاولة أن تخفف التوتر، وأيضاً لتستفزني كي أتحرك. كان تعليقاً طريفاً ومفاجئاً لطفلة في هذا العمر، وفي الوقت نفسه كشف قراءة ذكية منها لموقفي. نعم، عملي في تلك البيئات جعل درجة الإحساس بالخطر أقل، لكن ليس إلى حد ان اترك اسرتي و اطفالي في الخطر ، فقد كان المشهد حولنا مخيفاً بكل المقاييس.
في الخارج، كانت حركة الناس تتصاعد في حالة من الفوضى، وبدأت مشاهد نهب المصانع في بحري؛ بعضهم يحمل أنابيب الغاز، وآخرون يجرون ثلاجات على عربات “الكارو”، وآخرون يدفعون عربات جديدة من المعارض، أو يسحبون عربات التوزيع الخاصة بمصانع الكولا والبيبسي. كانت حالة هيجان وانفلات فتحت شهية الناس للنهب والسلب.
في تلك الأثناء، نسق أفراد الأسرة، ومنهم أخي الأصغر، مع سائق حافلة، وتم الاتفاق على مبلغ يفوق الإيجار العادي بعشر مرات، بما يعادل ألف وخمسمائة دولار، لنقلنا إلى ود مدني في الجزيرة. كان السعر في الظروف العادية حوالي سبعمائة وخمسين جنيه سوداني، وكان الدولار وقتها يقارب أربعمائة وخمسين جنيه.
كنت أتوقع حافلة مكيفة ومريحة، لكن المفاجأة كانت مختلفة تماماً. كانت الحافلة قديمة جداً، نوافذها بلا زجاج، ولوحة القيادة شبه معطلة، ومقاعدها مهترئة، ولا يوجد مفتاح تشغيل بالمعنى المعروف، بل سلكان يتم تلامسهما لتعمل الماكينة. ورائحة البنزين تملأ المكان. التفتُّ فإذا بجالون كبير مثقوب ومربوط بخرطوش، فسألته، فقال: “هذا درب”. وما إن أدار المحرك حتى بدأت الحافلة تهتز بالكامل، وصوتها مرتفع كأن العادم مفتوح داخل المقصورة.
رفعنا الحقائب وركب الجميع، لكنني فجأة تذكرت أنني لم أسقِ النباتات والشتول في البيت.
كان لدي ما لا يقل عن تسعين أصيص زهور، كلها من النوع النادر، جلبت بعضها من دول مختلفة سافرت إليها. كنت أقضي صباحي في سقيها والعناية بها؛ بعضها يطلق رائحته في الصباح، وبعضها في الليل، حتى صار البيت أشبه بحديقة أو معرض زهور حي. نزلت من الحافلة، وأخذت خرطوم المياه، وبدأت أسقيها واحدة تلو الأخرى، حتى استغرقت العملية أكثر من نصف ساعة، على أمل أن تكفيها هذه السقيا ليومين أو ثلاثة حتى أعود.
في الطريق، كان الترقب والخوف يسيطران على الجميع، واحتمال التوقف أو التفتيش كان حاضراً في كل لحظة. لكننا رأينا على الطريق شباب القرى قد خرجوا، يجهزون الماء والعصائر للمسافرين، ويقفون بجانب السيارات ويصرّون على إعطاء الزاد. كانت تلك أول ملامح الإغاثة الذاتية التي بدأها السودانيون بأنفسهم؛ شربة ماء أو سندوتش بسيط، لأنهم كانوا يعلمون أن الناس خرجوا فارين من بيوتهم وتركوا كل ممتلكاتهم خلفهم.
وعند وصولنا إلى ود مدني، تفرقت الأسر؛ بعضهم ذهب إلى أقاربه، وبعضهم إلى دور الإيواء التي فتحها الأهالي أولاً في المدارس، فتحولت المدارس كلها إلى مراكز إيواء، وتم تعطيل العام الدراسي إجبارياً، إذ تحولت الفصول إلى مساكن للنازحين بدل أن تكون أماكن للتعليم.
ويبدو أن من خطط لإشعال الحرب في ذلك التوقيت كان يدرك أن قبل عيد الفطر بيومين أو ثلاثة يغادر معظم سكان الخرطوم إلى مناطقهم الأصلية، فلا يبقى إلا القليل، ولذلك كان الخروج في تلك الأيام أكثر سهولة نسبياً، لأن الناس أصلاً كانوا في حركة سفر أو إجازة.
ومع امتداد الحرب، أُجبر كثير من الناس على العودة إلى جذورهم، خاصة أولئك الذين استقروا في العاصمة وانفصلوا عن مناطقهم الأصلية. فكانت فرصة لإعادة الاتصال بالمجتمع والريف، وبدأت ملامح غير متوقعة تظهر؛ الأطباء عادوا إلى القرى، وافتُتحت عيادات في أماكن لم يكن فيها أي تخصص، وتحولت بعض القرى إلى مراكز طبية مصغرة.
ومن هناك بدأت رحلة العمل الإغاثي والتطوعي تتسع، وشعر الناس أن الحرب ستطول، فبدأوا في مساعدة الأسر داخل بيوت الإيواء، وفتحوا التكايا، واستضافوا الأسر في الريف، حتى أصبح البيت الواحد يأوي عشرين إلى ثلاثين أسرة، في مشهد أقرب إلى التضامن الجماعي منه إلى النزوح القاسي.
لقد كان العمل الإغاثي الحقيقي يبدأ من إنسان السودان نفسه؛ من الجار، والقريب، والإنسان البسيط. فالمجتمع السوداني أصبح المستضيف الأول للنازحين في مظهر حير العالم، إذ كان يُفترض، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، أن تظهر معسكرات ضخمة وخيام لا تُحصى مع نزوح يقدر بسبعة ملايين نسمة، لكن الواقع كان مختلفاً؛ لم تظهر تلك المعسكرات، لأن النازحين اندمجوا داخل المجتمع، في حالة تكافلية نادرة أصبحت درساً إنسانياً للعالم.
ولم يكن دور الداخل وحده، بل كان لأبناء السودان في المهجر دور كبير في دعم أسرهم في الداخل والخارج، وهي قصة أخرى ممتدة.
خرجت من بيتي في الخرطوم ومعي ملابس وأغراض محدودة، على يقين أن العودة ستكون بعد ثلاثة أيام فقط… لكنني لم أعد إلى ذلك المكان إلا بعد ثلاث سنوات.
دخلت منزلي، فوجدته منهوباً، نهب اعفش الا من قطع متناثره ليس لها قيمه كل الاشياء التي تحفظ ذاكرة الاسره ، و نظرت الي أصيص الزهور وجته متيبساً ملتصقاً بالجدران، كأنه كان يرفع يديه إلى السماء يستغيث… ولم تأته النجدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى