مقالات

مامون علي فرح يكتب: مباراة بنك الخرطوم وبنك السودان

قرص الشمس

 

منذ السادسة صباحاً وحتى العاشرة والنصف مساء ، وهي لحظة كتابة هذا المقال، أغلق بنك الخرطوم تطبيقه المسمى “بنكك” في وجه العملاء، لا تحويل داخل ولا خارج، لا سداد ولا استقبال، في مشهد يتكرر بلا حياء ولا اعتذار، وفي واحدة من أكبر الأزمات التي تمس وقت الناس وأرزاقهم والتزاماتهم اليومية.

آلاف المواطنين ظلوا عالقين أمام شاشات هواتفهم، ما بين تاجر يريد تسليم بضاعة، ومريض يبحث عن ثمن دواء، وأسرة تنتظر مصروفاً، وموظف يريد سداد التزام. التطبيق الذي تحول إلى شريان حياة السودانيين في زمن الحرب والنزوح وانقطاع الخدمات المصرفية المباشرة، أصبح هو نفسه مصدراً للشلل والتعطيل، دون بيان توضيحي، ودون تقدير لحجم الضرر.

أخبرني صديق، وهو واحد من آلاف، أنه قرر بلا رجعة سحب ما تبقى من أمواله من بنك الخرطوم وإيداعها في بنك آخر يحترم عملاءه ويقدر ظرف البلد والناس. قالها بمرارة: لا يعقل أن أجلس طوال اليوم أمام هاتفي لإنجاز معاملة واحدة عبر تطبيق معطوب، أفشل في إتمامها وأخسر يومي وعملي وسمعتي أمام من التزمت لهم.

المشكلة لم تعد تقنية عابرة، بل أصبحت نهجاً. بنك الخرطوم، الذي استفاد أكثر من غيره من ثقة الناس ومن أموالهم ومن ظروف الحرب التي جعلت “بنكك” هو السوق والبنك والصراف، لم يعد يحترم عملاءه ولا يقدر مكانته. لا تحديث حقيقي، لا خوادم تتحمل الضغط، لا خدمة عملاء ترد، ولا حتى اعتذار يليق بحجم العطل.

والأخطر من ذلك هو صمت بنك السودان المركزي، الرقيب الذي يفترض أن يحمي العملاء ويلزم البنوك بالمعايير. المركزي اليوم فاقد الإرادة، يرى المشكلة تتكرر كل أسبوع، يرى التذمر في كل بيت سوداني، ولا يحرك ساكناً، لا غرامة، لا توجيه، لا إلزام بخطة طوارئ، وكأن عملاء بنك الخرطوم خارج نطاق حمايته.

لقد ظلمنا السيد برعي الصديق كثيراً. كان الرجل، رغم قسوة الظروف، يعمل بسياسة حكيمة فرضت هيبة المركزي وجعلت كلمته هي العليا على جميع البنوك. كانت هناك رقابة، وكانت هناك محاسبة. أما اليوم فلا أحد يعلم ماذا يُدار داخل أروقة بنك السودان، وأين أجهزته الرقابية، ولماذا تترك بنكاً واحداً يتحكم في مصير ملايين المعاملات اليومية دون أن تتوفر له أدنى اشتراطات الاستمرارية والموثوقية.

إن ما يحدث ليس مباراة بين بنكين، بل مباراة خاسرة بين بنك لا يحترم جمهوره، وبنك مركزي لا يحمي جمهوره، والخاسر الوحيد فيها هو المواطن السوداني الذي لم يعد يطلب أكثر من خدمة مستقرة تحفظ له كرامته ووقته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى