
عندما تسقط الخطة (أ) تحت وطأة العجز، وتتعثر الخطة (ب) في دهاليز الشروط والانتظار، لا يبقى أمام الأمم العظيمة إلا أن تكتب خطتها بيدها. تلك هي الخطة (ج). خطة لا توقع على أوراق المانحين، ولا تنتظر إشارة الضوء الأخضر من أحد. خطة يكتبها العرق، ويمولها الإيمان، وينفذها من تبقى في قلبه ذرة وجع على هذا التراب.
السودان اليوم لا يحتاج إلى وعود. يحتاج إلى أفعال. لا يحتاج إلى خطاب يبرر الفشل، بل إلى مشروع يصنع النجاة. والنجاة هنا لن تأتي من قرض، ولن تأتي من مؤتمر، ولن تأتي من تسوية سياسية معلقة في الهواء. النجاة ستبدأ عندما نقر أن نكون نحن الحل، لا المشكلة. عندما نقر أن الدولة لا تبني وحدها، وأن الشعب لا ينتظر وحده.
“ج” ما مجرد حرف في الأبجدية. “ج” يعني *جد*… جدية، جدار، جدة، جسارة. يعني خلاص انتهى زمن التجارب والوعود. يعني نحن بنشتغل بدون انتظار، بدون أعذار جد في الطاقة ما حنقعد نبكي على القطوعات. أي مصنع، أي مستشفى، أي حي يركب طاقته براهو. الدولة تدي إعفاء بس. الشمس فوقنا ٣٦٠ يوم. كفاية كلام.جد في الأكل المغترب يمول فدان، المزارع يزرع، البلد تأكل من أرضها. خلال سنتين نكتفي.وجد في الاتحاد يعني نخت الخلاف في الدرج. نتفق على حاجة واحدة بس: السودان يعيش. وجد في المسؤولية الدولة ما حتبني ليك بيتك. وأنت ما حتنتظر الدولة.
جوهر الخطة (ج) قائم على انقلاب بسيط في المفاهيم. أن تتراجع الدولة خطوة إلى الخلف كي يتقدم الوطن خطوات إلى الأمام. دور الدولة في الخطة (ج) ليس أن تدفع من الخزينة وإنما دورها أن تفسح الطريق. أن تمنح الإعفاء، وأن توقع التشريع، وأن تحمي الاستثمار، وأن ترتاح قليلاً حتى يسمع صوت البنائين.
أما البناء، فهو مسؤولية تضامنية بين ثلاثة: القطاع الخاص الوطني، والمغترب السوداني، والمجتمع المحلي. هذا الثالوث الذي ظل مهمشاً لعقود هو اليوم العمود الفقري الوحيد القادر على حمل السقف قبل أن ينهار على رؤوسنا جميعاً.
الخطة (ج) لا تسأل من أين نأتي بمليارات السدود. الخطة (ج) تسأل: من الذي يملك سطحاً في السودان؟ الإجابة: كلنا. نعلن حالة طوارئ شمسية. إعفاء كامل لعشر سنوات على كل مدخلات الطاقة الشمسية. ثم نفتح الباب لشركات التأجير الشمسي لتركب الألواح فوق المصانع والمستشفيات والمدارس والمنازل. الشركة تبني بمالها، وتبيع الكهرباء بسعر أقل من سعر الجاز، والمواطن يربح الاستقرار، والدولة تربح شبكة أخف حملاً. بالتوازي، نطرح محطات مروي والروصيرص المتعثرة للعالم بنظام “أهلها وشغلها وخد نسبتك”. لا مال حكومي، فقط أصول نائمة تتحول إلى ميغاوات حية. ونغرس توربينات الرياح في دنقلا وسواكن، حيث الريح لا تتوقف، وحيث يمكن لشركة أجنبية أن تبني وتشغل وتسترد مالها من بيع الكهرباء. الهدف ليس رفاهية. الهدف هو ٥٠٠٠ ميغاوات إضافية في ألف يوم. تكفي لإيقاف نزيف المصانع وإعادة الحياة إلى المستشفيات.
الخطة (ج) تقول كفى لاستيراد القمح الذي نأكله بدموعنا. نمتلك ٢٠٠ مليون فدان صالحة للزراعةونستورد ٧٠% من أكلنا. هذا عبث. نطلق “صندوق سيادة الغذاء” تموله تحويلات المغتربين مباشرة.المغترب لا يرسلها استهلاكاً، بل يشتري بها أسهماً في مشروع قمح أو ذرة في ولايته. الشركة المنفذة سودانية، والأرض سودانية، والعائد يعود للمغترب وللمزارع وللسوق. الحكومة دورها ضمان السعر وتسهيل الري وتوفير الطريق. لا دعم، لا قرض. فقط قانون عادل. خلال موسمين زراعيين فقط يمكن أن نغطي ٧٠% من استهلاكنا. الأمن الغذائي ليس شعاراً، هو خطة عمل تبدأ من الحواشة وتنتهي في المائدة.
الخطة (ج) ابن مدرستك بنفسك. كل حي، كل قرية، كل جالية في الخارج تتبنى مؤسسة تعليمية أو صحية. الدولة تعطي الأرض والاعتماد، والمجتمع يبني ويدير. الأطباء السودانيون في المهجر لا نطلب منهم العودة فقط، نطلب منهم الشراكة. يأتون بمعدات كوقف، والدولة توفر الكادر والمبنى. ننشئ “مستشفيات الوقف” التي لا تعتمد على الميزانية.لأن الزمن لم يعد صديقنا.
الخطة (ج) ليست خطة مثالية. هي خطة واقعية. خطة تعترف بالجراح ولكنها ترفض الاستسلام لها. خطة تقول: نعم نحن مختلفون، ولكن اختلافنا لا يمنعنا من أن نحفر بئراً واحداً لنشرب منه جميعاً.
أيها السودانيون… لم يعد الخلاف طرفاً. لقد صار ترفاً لا نملكه. الثمن المطروح على الطاولة الآن ليس كرسياً ولا وزارة. الثمن المطروح هو بقاء هذا الوطن أو فناؤه.
الخطة (ج) هي نداء أخير للعقل. هي أن نضع السودان فوق رؤوسنا، قبل أن نضع خلافاتنا فوق رأسه. هي أن نؤمن بأن هذا البلد لا يحرسه إلا أبناؤه، ولا يبنيه إلا سواعدهم، ولا يضيئه إلا عرقهم.التاريخ لن يسألنا عن النوايا. سيسألنا عن النتائج. هل أطعمنا جائعاً؟ هل داوينا مريضاً؟ هل أعدنا الضوء؟
فلنبدأ. فالخطة (ج) لا تحتاج إلى تمويل… تحتاج إلى رجال .


