
حالة من الفوضى العارمة تعتري المشهد الاقتصادي الآن.
فمع توقف التطبيقات البنكية بالكامل وشلل حركة التحويلات، وارتفاع سعر الصرف بشكل جنوني ووصول الدولار إلى أرقام قياسية غير مسبوقة، ومع نوم العسل الذي تغرق فيه حكومة كامل إدريس، يصبح الوضع أصعب وأقسى بكثير مما هو عليه ما لم تتم معالجات عاجلة وحاسمة لا تحتمل التأجيل.
فالشعب الذي يقاتل في جبهات الحرب لا يمكن أن يقاتل في جبهة السوق وجبهة الأسعار في نفس الوقت.
وأول هذه المعالجات وأهمها هو رحيل حكومة الحالم كامل إدريس وإعادة تشكيل مجلس الوزراء فوراََ و الابقاء على الوزارات التي قدمت عملا متميزاََ وشهد لها الناس، وإحلال وإبدال بقية الوزارات بكفاءات عالية تبرمج الأداء وتعرف المطلوب بدقة وتتحمل المسؤولية وذلك تحت قيادة رئيس وزراء جديد يفهم تحديات البلاد ويدرك أننا ما زلنا في حرب طويلة مع قوى إقليمية ودولية تحاول العبث باستقرار السودان وعرقلة ازدهاره وإعاقة انطلاقه إلى الأمام عبر ضرب عصب الدولة وهو الاقتصاد.
من أول الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها الحكومة هي التغييرات العشوائية والمتسرعة التي تمت في بنك السودان المركزي. ورغم أن إدارة برعي الصديق لم تكن مثالية ولم تسر في الاتجاه الصحيح إلا أن الحزم الإجرائية والسياسات النقدية التي اتبعتها كانت أفضل بكثير وأكثر تماسكا وانضباطا من الوضع الكارثي والارتجالي الذي نشهده اليوم. كان هناك على الأقل إحساس بوجود بنك مركزي يدير الأزمة. أما الآن فالسوق بلا بوصلة ولا رقيب.
وعلى الصعيد الاتحادي فشلت حكومة كامل إدريس فشلاََ ذريعاََ في استيعاب مطلوبات المرحلة الحساسة والدقيقة التي يمر بها السودان. فلا توجد خطط واضحة ولا رؤية اقتصادية ولا برامج إسعافية تنقذ البلاد من الانهيار اكتفت الحكومة بالاجتماعات والبيانات بينما المواطن يدفع الثمن غلاء في كل شيء. سعر الخبز، سعر الدواء، سعر الترحيل، كلها ارتفعت أضعافاََ بينما المرتبات ثابتة.
المحصلة النهائية الآن هي ظروف صعبة وقاسية يمر بها الشعب السوداني الصابر اضطراب واضح في الأسواق، وتدهور متسارع في قيمة العملة الوطنية، وتضخم ارتفعت نسبته بشكل مخيف، وغلاء معيشة لا يطاق أرهق الأسر ودفعها إلى ما دون خط الفقر. والمطلوب الآن تحرك فوري من القيادة لإنقاذ الاقتصاد من خلال إطلاق حزمة تدابير مالية عاجلة لكبح جماح انهيار العملة الوطنية، ومحاربة المضاربين بالدولار في السوق الموازي، وضبط السوق، وتوفير السلع الاستراتيجية. ويبدأ ذلك بإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي كاملا، ويكون ذلك بإطلاق يد جهاز المخابرات الوطني وإعادة تفعيل الأمن الاقتصادي للقيام بدوره وواجبه الوطني في حماية الاقتصاد من التخريب والتلاعب والمضاربات ومحاسبة المتلاعبين بقوت الناس.
فالاقتصاد الآن هو خط الدفاع الأول في هذه الحرب. ومن لا يحمي اقتصاد وطنه لا يحق له البقاء في كرسي الوزارة .
انتهت

