مقالات

كابتن طيار عادل المفتي يكتب : صراع الديوك… عندما تصبح الأنانية مشروعًا لهدم الأوطان

 

 

ما أقسى أن يصبح الطريق إلى السلطة معبّدًا بركام الوطن، وما أشد قسوة أن يعيد التاريخ نفسه أمام أعيننا، ثم لا نتعلم من دروسه.

 

في تمام الساعة السابعة والنصف مساءا من يوم الخميس الموافق 20 أغسطس من العام 1998 م ، كنت في بلدي السودان ووسط اهلي أستمتع بإجازتي السنوية ، وفي منزل أسرة زوجتي بمدينة النيل بأمدرمان ، كنا نجلس والأهل في الحديقة الخارجية نتجاذب اطراف الحديث ، وفجأة ظهر جسم طائر سريع سبقه صوت قوي ، تجمّد الجميع في أماكنهم من شدة الخوف.

ولا شعوريا صعدت فجأة فوق الكرسي الذي كنت أجلس عليه واقفا علي مدي النظر لأري وأتابع مسار هذا الجسم الطائر الغريب ، تابعته بنظري بلمحة ثم اختفي ، ثم صوت رهيب من اتجاه الخرطوم بحري ثم انفجارًا هائلًا ولهبًا ونيرانًا كثيفة.

 

وبينما أنا وقوفا أتابع المشهد، عبر جسم ثانٍ فوق المنزل، محلقا وبصوت أعنف ، مارا بسرعة البرق منخفضًا وفوق رؤوس المنازل ، ثم وقع انفجار آخر ودخان ولهب من بعيد .

 

كانت لحظات من الذهول والخوف. لم نرَ في الخرطوم طوال حياتنا مثل ذلك المشهد. قال البعض لاحقا إنها طائرات قصفت الخرطوم ،لكن ما رأيته بعيني كان صاروخًا، ضخما اسرع من الصوت واتضح لاحقًا أنه من صواريخ «كروز» الأمريكية ، طراز توماهوك ،

فجلست علي الكرسي وأنا سارح بعيد وأصوات الاسرة تتحدث بانفعال عن هذا الطائر الغريب ولم تمضي دقائق معدودة حتي جانا الخبر شايلو النسيم بأن المستهدف بهذا الهجوم الليلي هو مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم بحري .

 

قيل يومها إن المصنع ينتج مواد مرتبطة بالأسلحة الكيميائية، وإنه كان مرتبطًا بإنتاج غاز الأعصاب. قُصف المصنع ودُمّر، ولكن أين كانت تلك الأسلحة الكيميائية المفتري عليها التي قيل إنها موجودة داخل المصنع والتي تبخرت وشاله النسيم ؟

 

هذه ليست قصة سمعتها من بعيد؛ فقد عشت كل فصولها وتفاصيلها التحريضية في الخارج ثم لحظة القصف بنفسي.

 

وفي ذلك الوقت كنت معارضا للنظام ولكني لم أكن سعيدا بالفصول التحريضية ، وبالتفاصيل التي رأتها عيني ، والاعتداء علي ارضي ، فكتبت علي اثرها رسالة مفتوحة إلى زعيم المعارضة السيد الصادق المهدي ، قلت فيها بوضوح إن ما يقوم به البعض من السياسيين ليس معارضة سياسية، وإنما يمكن أن يتحول إلى تدمير للوطن والشعب السوداني ، عندما يكون الطريق إلى إسقاط الخصم هو الاستقواء بالخارج وتلقينه المعلومات الكاذبة والتي رأيناها وسمعناها في وسائل الإعلام العربية والغربية .

 

نشرت رسالتي صحيفة الخرطوم ورئيس تحريرها صديقي الدكتور الباقر احمد عبدالله والتي كانت تصدر من الخارج، وتم النشر لكن بعد حذف أجزاء منها. ولم اقبل ذلك ، ثم أرسلتها إلي الداخل لصحيفة ألوان التي قامت بنشرها كاملة، في صفحة كاملة نشرت مع مقدمة كتبها رئيس تحريرها الصديق ابن الحي الأستاذ حسين خوجلي الذي اشاد بالمحتوي .

 

بعد ذلك بأعوام قليلة ، كنت أقود طائرة خاصة في رحلة من جدة إلى القاهرة ، كان علي متنها الأخ رجل الأعمال صلاح إدريس، مالك مصنع الشفاء، وبعد وصولنا الي مطار القاهرة انضم إلينا الدكتور منصور خالد له الرحمة ، الذي كان معارضا ويدعم قضية المصنع مستشارا ، ثم اقلعنا معا إلى لندن، ثم غادرا بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمباشرة القضية من هناك. القضية التي كسبها مالك المصنع حيث اتضح لاحقا ان المصنع ينتج أدوية بشرية ولا علاقة لها بالأسلحة الكيماوية ، ثم طلب التعويض ، حسب الاتهام و ما رشح :

* تعويضه عن تدمير المصنع وممتلكاته.

* رفع الاتهامات التي ربطته ببن لادن.

* الإفراج عن أموال قيل إنها جُمّدت بسبب الاشتباه في صلاته بالإرهاب.

 

ثم دخل هو وشركة الشفاء في سلسلة من الدعاوى القضائية ضد الحكومة الأمريكية .

 

كانت تجربة جعلتني أرى عن قرب كيف يمكن لقرار سياسي أو اتهام غير محسوم أن يتجاوز لحظة القصف، ليمتد أثره إلى الاقتصاد والمجتمع وحياة الناس.

 

وأذكر ذلك اليوم وللتاريخ، لا بحثًا عن بطولة شخصية، ولا لتسجيل موقف على أحد، وإنما لأنني أرى أمامي اليوم مشهدًا يشبه ذلك المشهد القديم بصورة مؤلمة.

 

التاريخ يعيد نفسه.

 

بالأمس كان الحديث عن مصنع الشفاء والأسلحة الكيميائية، واليوم نسمع اتهامات جديدة ضد القوات المسلحة السودانية التي تدافع عن الارض والعرض بإستعمال الأسلحة الكيميائية في الحرب المفروضة علي شعبنا من قبل مليشيا الدعم السريع المتمرده ، والفرق أن السودان اليوم يعيش كارثة أكبر، وشعبه هو الذي دفع ومازال يدفع الثمن.

 

إذا كانت هناك اتهامات، فلتُقدم الأدلة، ولتُجرَ تحقيقات مستقلة ونزيهة. أما تحويل الاتهام إلى وسيلة للاستقواء بالخارج، أو إلى دعوة لعقوبات جديدة وتدخلات أجنبية، فليس ذلك بمعارضة وطنية؛ لأن العقوبات عندما تقع لا تجلس في مكاتب السياسيين، وإنما تصل إلى الاقتصاد والخبز والدواء والتعليم والمعاش، والطيران والتكنولوجيا والبنوك وتدفع ثمنها أجيال كاملة من الشعب السوداني ولا تتاثر الحكومات .

 

وهنا أسأل أبناء السودان جميعًا: ماذا استفدنا من سنوات العقوبات والحصار؟ ومن دفع ثمنها الحقيقي؟

 

لقد تغيرت الحكومات وتبدلت الوجوه، لكن الشعب ظل يدفع الثمن.

 

إن المعارضة حق مشروع، والاختلاف السياسي ضرورة في أي مجتمع، لكن المعارضة الوطنية تبني ولا تهدم، تنتقد ولا تنتقم، تحاور ولا تستدعي الأجنبي، وتبحث عن إصلاح الدولة لا عن تدميرها.

 

أما أن يصبح إسقاط الخصم أهم من بقاء الوطن، فهذه ليست سياسة، وإنما صراع ديوك.

 

والأخطر من الديوك أنفسهم أصحاب الديوك ، أولئك الذين يجلسون بعيدًا ويذكون الصراع، كما كنا نفعل أطفالا ونملأ أيدينا بالتراب ونقف بين الخصمين ونقول : «المديدة حرقتني». ثم يدفع احدهم بيد حامل التراب في وجه الاخر فيشتعل الصراع ، ويسعد الذين يذكون الصراع لتمرير أجندتهم الخاصة ، فعندما يتحطم السودان وينقسم، لن يسأل التاريخ من كان أكثر انتصارًا في المنابر، بل سيسأل: من حافظ على وطنه؟ ومن ساهم في إنقاذه؟ ومن ساهم في إضعافه؟ ومن الذي افشل مخطط من يذكي الصراع ؟

 

وهذه الرسالة ليست للسياسيين وحدهم، بل هي رسالة إلى الشباب وإلى هذا الجيل.

 

أقول لهم: اقرأوا التاريخ، ولا تسمحوا لأحد أن يكتب لكم تاريخ السودان كما يريد. ابحثوا عن الوثائق، واقرأوا ما قيل بالأمس، وقارنوه بما يقال اليوم. ستكتشفون أن التاريخ لا ينسى، وأن المواقف التي تبدو صغيرة في لحظتها قد تكون لها آثار تمتد لعقود.

 

لقد عانى الشعب السوداني بما يكفي. حروب ونزوح وفقر وعقوبات وانهيار اقتصادي، ثم حرب جديدة أكلت الأخضر واليابس.

 

فهل يعقل أن نكرر الأخطاء نفسها؟

 

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الذين يرفعون أصواتهم في المنابر الأجنبية طلبًا للنصرة، وإنما يحتاج إلى رجال ونساء دولة يجلسون معًا، مهما اختلفوا، ليعيدوا بناء الدولة.

 

لا أحد سيحكم ركامًا.

 

ولا أحد سينتصر إذا خسر السودان.

 

فهل نريد أن ننتصر على بعضنا وندمي وجوه بعضنا كما يفعل الديوك ؟ أم نريد أن ينتصر السودان؟

 

وبالبلدي وبصراحة شديدة: السودان لن يتغير بمجرد تبدل الوجوه أو الحكومات. السودان يتغير عندما تتغير النفوس، وتسمو الإرادة الوطنية فوق المصالح الشخصية، ويصبح الوطن هو الغاية لا السلطة.

 

والعودة إلى الله ورسوله وإطاعته هي الحق والمخرج قبل الضياع.

 

قال تعالى:

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .

 

آن الأوان أن نتوقف عن صراع الديوك ، وأن نبدأ صراعًا آخر: صراع البناء، وصراع إنقاذ الوطن، وصراع الحفاظ على السودان لأبنائنا وأحفادنا.

 

هذا التاريخ ؛ 20 أغسطس 2026م ليس صدفة؛ فقد صادف أن أُدشّن فيه كتابي «حائط برلين الآخر»، في، فندق القراند هوتيل. فهو اليوم الذي يوافق ذكرى قصف مصنع الشفاء في 20 أغسطس 1998م، ذلك الحدث الذي مضت عليه 28 عامًا، وما زال أثره حاضرًا في الذاكرة وآثاره الاقتصادية المؤلمة مازال يعاني منها المواطن المغلوب علي امره .

 

ولا يزال حائط برلين الآخر قائمًا بيننا؛ وليس حائطنا المقصود حائطًا من حجارة، يُهدم متى شئنا، كما حدث لحائط برلين الذي فصل بين ألمانيا الشرقية والغربية، والذي هُدم بضغط شعبي وقرار سياسي في 9 نوفمبر 1989م. وإنما هو حائط برلين آخر؛ حائطٌ نفسي وسياسي، بدأ تشكّله منذ زمن بعيد ووضع حجر أساسه في ٨٩ وتوارثه السياسيون ، فجلب لنا كل هذا الدمار. وهذا الحائط لا يمكن هدمه إلا بالإيمان، وبإرادة التغيير، وبأن نبدأ أولًا بتغيير ما في نفوسنا لننشر العدل بين الناس ونمنع الظلم .

 

قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

 

فالتاريخ يتذكّر، ويُذكّر، ولا ينسى شيئًا.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى