مقالات

مامون علي فرح يكتب : السودان بين مطرقة العصا الأمريكية وجزرة المصالح الخفية

 

في المشهد السياسي الدولي، يظل السودان ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعامل معه بمنطق العصا والجزرة، حيث تُلوّح بالعقوبات والضغوط حيناً، وتُغري بالوعود والدعم حيناً آخر، في إطار سياسة لا تُبنى على العاطفة أو المبادئ، بل على حسابات دقيقة للمصالح الاستراتيجية.

 

إن ما يُسمى بسلام السودان الذي تبناه الكونغرس الأمريكي لم يكن يوماً بدافع إنساني أو حباً في الشعب السوداني، وإنما جاء نتيجة توازنات معقدة، وأدوار متشابكة للوبيات ضغط، أبرزها اللوبي الصهيوني الذي يُحرك الخيوط في دهاليز السياسة الأمريكية، ليضمن أن تكون أي خطوة في المنطقة تصب في صالحه المباشر أو غير المباشر.

 

لقد أدرك الأمريكيون أن السودان، بموقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية وعمقه الاستراتيجي، يمثل رقعة مهمة في لوحة الشطرنج الدولية، ولذلك فإنهم لا يتعاملون معه إلا بمنطق القوة، فهم لا يحترمون إلا من يفرض نفسه لاعباً صلباً على الطاولة، أما الضعفاء فيُتركون نهباً للابتزاز والضغوط. ومن هنا جاءت سياسة العصا والجزرة، حيث تُستخدم العقوبات الاقتصادية والتهديدات السياسية كعصا غليظة، بينما تُقدَّم وعود الدعم والمساعدات كجزرة براقة، لكنها في حقيقتها مشروطة ومُسيّسة، لا تُمنح إلا مقابل تنازلات تُضعف الموقف الوطني وتُفرغ السيادة من مضمونها.

 

إن الحديث عن السلام الذي روّج له الكونغرس تحت مسمى “سلام السودان” يكشف بوضوح أن الأمر لم يكن حباً في استقرار السودان أو حرصاً على أمنه، بل كان جزءاً من لعبة مصالح كبرى، حيث يُراد للسودان أن يكون تابعاً لا مستقلاً، وأن يُدار وفق أجندات خارجية لا وفق إرادة شعبه. فالمعادلةالأمريكية لا تعترف إلا بالقوي الذي يستطيع أن يفرض شروطه، أما من يكتفي بالانتظار والتلقي، فإنه يظل أسيراً لسياسات الإملاء والضغط.

 

إن السودان اليوم أمام تحدٍ مصيري، فإما أن يُعيد صياغة موقعه في المعادلة الدولية عبر بناء قوة داخلية صلبة تُجبر الآخرين على احترامه، وإما أن يظل رهينة لسياسات العصا والجزرة التي تُمارسها واشنطن، حيث يُقدَّم الدعم بيد ويُسحب باليد الأخرى، وحيث تُرفع شعارات السلام بينما تُدار خلف الكواليس صفقات المصالح.

 

إن التاريخ يُعلّمنا أن الشعوب لا تُحترم إلا حين تُثبت قدرتها على الصمود والمواجهة، وأن القوى الكبرى لا تُعطي شيئاً مجاناً، بل تُعطي بقدر ما تأخذ، وتُساوم بقدر ما تُسيطر.في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس عن موقف أمريكا تجاه السودان، بل عن موقف السودان تجاه نفسه، هل يرضى أن يكون مجرد ورقة في لعبة الآخرين، أم يختار أن يكون رقماً صعباً يُحسب له ألف حساب؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان السودان سيظل تحت مطرقة العصا الأمريكية وجزرة المصالح الخفية، أم سيكسر هذه المعادلة ليكتب فصلاً جديداً في تاريخه السياسي والإنساني.

 

إن السودان وهو يواجه ضغوط الخارج وتحديات الداخل يحتاج إلى أن يضع نصب عينيه أن احترام الآخرين لا يُكتسب بالاستجداء وإنما يُنتزع بالقدرة على فرض الذات، ولذلك فإن الحكومة السودانية مطالبة بأن تُعيد بناء مؤسساتها على أسس من القوة والشفافية والصلابة وأن تُعلي من شأن السيادة الوطنية فلا تُفرّط فيها تحت أي ظرف أو مقابل أي إغراء، وأن تُدرك أن سياسة العصا والجزرة الأمريكية لن تتوقف إلا حين يجد الأمريكيون أمامهم دولة متماسكة تعرف كيف تفاوض وتعرف كيف ترفض وتعرف كيف تختار طريقها بعيداً عن الإملاءات.

 

وفي المقابل فإن الشعب السوداني مطالب بأن يُدرك أن قوته الحقيقية تكمن في وحدته الداخلية وفي قدرته على حماية قراره الوطني من أي تدخل خارجي، وأن يُدرك أن السلام الحقيقي لا يُمنح من الخارج وإنما يُصنع في الداخل عبر التوافق والوعي والصلابة، وأن يظل يقظاً أمام محاولات استغلاله أو تزييف إرادته تحت شعارات براقة. إن السودان إذا أراد أن يخرج من دائرة الابتزاز الدولي فعليه أن يُعيد صياغة نفسه كقوة يُحسب لها حساب، وأن يُدرك أن العالم لا يحترم إلا القوي، وأن الطريق إلى ذلك يبدأ من الداخل لا من الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى