مقالات

محمد سومي يكتب : قراءة في البيان الختامي لاجتماع الكتلة الديمقراطية… وتحديات التنفيذ واستحقاقات المزاج الشعبي

ميزان القيم

 

في اللحظات السياسية الدقيقة التي تمر بها الأوطان، لا تُقاس أهمية الاجتماعات بقدر ما تُقاس بقدرتها على إنتاج رؤى قابلة للتنفيذ، وتحويل التفاهمات إلى واقع ملموس. ومن هذا المنظور، فإن البيان الختامي لاجتماع الكتلة الديمقراطية يمثل وثيقة سياسية تستحق القراءة المتأنية، ليس فقط لما تضمنه من مواقف ورسائل، بل لما يفتحه من أسئلة جوهرية حول تحديات التطبيق وإرادة الإنجاز.

لقد جاء البيان الختامي محمّلاً بجملة من المبادئ التي تعكس وعياً بطبيعة المرحلة، وإدراكاً لحجم التحديات التي تواجه البلاد. فقد ركّز على ضرورة توحيد الصف الوطني، وتغليب المصلحة العامة، والدفع نحو تسوية سياسية عادلة تحفظ وحدة السودان واستقراره. وهي مرتكزات لا يختلف عليها اثنان، بل تمثل أساساً لأي مشروع وطني جاد.

غير أن قيمة البيانات السياسية لا تكمن في حسن الصياغة وحده، ولا في قوة العبارات، وإنما في قدرتها على تجاوز الإطار النظري إلى فضاء الفعل العملي. وهنا يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن تحويل ما ورد في البيان إلى خطوات تنفيذية واضحة ومحددة المعالم؟

إن أولى العقبات تكمن في تعدد الرؤى داخل المكونات السياسية نفسها، وهو أمر طبيعي في أي تحالف واسع، لكنه يصبح إشكالياً إذا لم تُدار الاختلافات بروح مؤسسية. فالكتلة الديمقراطية، بما تضمّه من قوى وتيارات، مطالبة اليوم بتقديم نموذج في إدارة التنوع الداخلي، حتى لا تتحول التباينات إلى معاول هدم تعطل مسارها.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بمدى قدرة القيادة السياسية على ترجمة الخطاب إلى برامج عملية. فالجماهير لم تعد تكتفي بالوعود، بل تنتظر نتائج ملموسة تعيد الثقة في العمل السياسي. ومن هنا، فإن نجاح الكتلة لن يُقاس بما أُعلن في البيان، بل بما ستنجزه على الأرض خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي التحدي الثالث في طبيعة المشهد السوداني ذاته؛ إذ إن البلاد تعيش حالة من التعقيد السياسي والأمني والاقتصادي تجعل أي مشروع إصلاحي عرضة للاختبارات الصعبة. وهذا يقتضي من الكتلة الديمقراطية أن تتحرك بواقعية سياسية، دون أن تفقد بوصلتها الوطنية.

غير أن السؤال الأهم، والأكثر حساسية في هذه المرحلة، يتمثل في مدى استيعاب الكتلة الديمقراطية لأشواق ورغبة الشعب السوداني، الذي بات أكثر وضوحاً في مطالبه وأكثر حسماً في مواقفه. فالمزاج الشعبي اليوم لا يحتمل إعادة إنتاج الأزمات، ولا يقبل بفتح الأبواب لعودة القوى التي ارتبطت في الوعي الجمعي بمشاهد العنف والانتهاكات والانقسام.

إن الشارع السوداني، بعد كل ما مرّ به من مآسٍ وتجارب قاسية، يعبّر بجلاء عن رفضه القاطع لأي ترتيبات سياسية تُفضي إلى تمكين الجنجويد أو من عاونهم أو وفر لهم الغطاء السياسي أو اللوجستي. وهذه ليست مجرد رغبة عاطفية عابرة، بل هي قناعة تشكلت من رحم المعاناة، وأصبحت جزءاً من الوعي الوطني الجمعي.

ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي لا يضع هذه الحقيقة في صميم حساباته، سيكون مهدداً بفقدان الحاضنة الشعبية. فالقوى السياسية لا تنجح فقط بقدرتها على بناء التحالفات، وإنما بمدى انسجامها مع نبض الشارع، واحترامها لتضحيات الناس وآمالهم.

إن الكتلة الديمقراطية مطالبة اليوم بأن توضح، بجلاء لا يحتمل اللبس، موقفها من هذه القضية الجوهرية. فالغموض في القضايا المصيرية لا يخدم الثقة، والتردد في لحظات الحسم قد يُفسَّر على أنه قبول ضمني بما يرفضه الشعب.

إن البيان الختامي، في جوهره، يعكس طموحاً مشروعاً نحو بناء شراكة وطنية واسعة، لكنه يظل في حاجة إلى آليات متابعة، وجداول زمنية، وأدوات تقييم تقيس مدى التقدم في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. فغياب هذه العناصر قد يجعل البيان مجرد وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المبادرات غير المكتملة.

وفي ميزان القيم، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على القوى السياسية أن تتعامل مع هذه المرحلة بمنطق الدولة، لا بمنطق المكاسب الآنية. فالسودان اليوم يحتاج إلى شجاعة القرار، وصدق الالتزام، وإرادة التنفيذ.

إن قراءة البيان الختامي لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النص، بل يجب أن تمتد إلى اختبار قدرته على الصمود أمام تعقيدات الواقع، ومدى استجابته للتطلعات الشعبية التي تبحث عن وطن آمن، عادل، خالٍ من مشاريع الفوضى والهيمنة.

فالتاريخ لا يحفظ البيانات بقدر ما يحفظ من استطاعوا تحويل الكلمات إلى أفعال، والرؤى إلى إنجازات.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الكتلة الديمقراطية ليس في إصدار البيانات، بل في الوفاء بمضامينها، وترسيخ الثقة بأنها قادرة على أن تكون جزءاً من الحل، لا مجرد طرف في المشهد.

فالأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما تُبنى حين تصبح الإرادة السياسية مشروعاً عملياً يلامس حياة الناس، ويمنحهم أملاً في غدٍ أكثر استقراراً وعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى