مقالات

المعز مجذوب يكتب : مؤتمر برلين… عطاء من لا يملك لمن لا يستحق

 

 

ليس كل ما يُعقد باسم السلام يكون سلامًا،

وليس كل ما يُحاك في عواصم العالم يُراد به خير الشعوب…

فبعض المؤتمرات تُولد ميتة، لأنها ببساطة تقوم على باطلٍ مكتمل الأركان.

 

مؤتمر برلين… ذاك الذي يُسوَّق له كمنصة إنقاذ، ليس في حقيقته سوى إعادة إنتاج للأزمة بذات الأدوات القديمة، ولكن بواجهة جديدة أكثر أناقة… وأشد خبثًا.

 

أيُّ منطق هذا الذي يجعل مصير السودان يُناقش خارج حدوده؟

وأيُّ شرعية تلك التي تُمنح لمن لا يملك قرار نفسه، ليقرر في شأن وطنٍ بأكمله؟

 

إنه—بلا مواربة—

عطاء من لا يملك… لمن لا يملك.

 

أولئك الذين جلسوا حول الطاولة، بعضهم لا يملك من أمره شيئًا، رهائن لأجندات خارجية، وآخرون لا يملكون شرعية شعبية، ولا حتى وزنًا حقيقيًا على الأرض. ومع ذلك، يُراد لهم أن يرسموا مستقبل السودان!

 

أي عبثٍ هذا؟!

 

السودان ليس تركةً مشاعًا تُقسم بين الطامعين،

ولا ملفًا إداريًا في درج دبلوماسي أوروبي،

ولا ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

 

السودان وطن…

دمه لم يجف بعد،

وشهداؤه لم يُواروا الثرى إلا ليكتبوا بدمائهم أن السيادة لا تُمنح… بل تُنتزع.

 

ما يجري في برلين ليس حلًا، بل محاولة ناعمة لإعادة تشكيل المشهد وفق رؤية لا علاقة لها بإرادة الشعب السوداني.

إنها ذات الوصفة القديمة:

تدوير النخب،

تجميل الواجهات،

وإعادة إنتاج الأزمة تحت لافتة “الحل السياسي”.

 

لكن الحقيقة المُرّة التي يجب أن تُقال:

لا يمكن لمن كان جزءًا من الأزمة أن يكون مفتاح الحل.

 

إن تجاوز الإرادة الوطنية، والقفز فوق الواقع الميداني، والتعامل مع السودان كرقعة شطرنج، لن يقود إلا إلى مزيد من التعقيد والانفجار.

 

الشعوب لا تُحكم بالبيانات الختامية،

ولا تُبنى الأوطان عبر الفنادق الفخمة،

ولا تُصنع الشرعية في القاعات المغلقة.

 

الشرعية تولد من رحم المعاناة،

من صوت المواطن البسيط،

من عرق المقاتل في الميدان،

ومن صبر الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن.

 

أما أن يأتي من لا يملك، ليمنح من لا يملك، شرعية لا وجود لها…

فهذه مهزلة سياسية مكتملة الأركان.

 

ومع ذلك،

فإن أخطر ما في مؤتمر برلين ليس ما أُعلن فيه…

بل ما لم يُعلن.

 

الاتفاقات الخفية،

والتفاهمات تحت الطاولة،

والصفقات التي تُدار بعيدًا عن أعين الشعب…

هي القنابل الحقيقية التي قد تنفجر في وجه السودان لاحقًا.

 

إننا أمام لحظة فارقة:

إما أن يستعيد السودان قراره الوطني المستقل،

أو أن يُترك لمصير تُحدده غرف خارجية لا ترى فيه سوى “ملف”.

 

وهنا يجب أن يكون الصوت عاليًا، واضحًا، لا يقبل التأويل:

لا وصاية على السودان.

لا شرعية إلا من الداخل.

ولا مستقبل يُبنى بالخارج.

 

إن من يظنون أن بإمكانهم صناعة سودان جديد من خارج حدوده،

واهمون…

لأن هذا الشعب، الذي صبر ما لم تصبره أمة،

لن يسمح بأن يُختطف مستقبله على طاولة مفاوضات لا تمثله.

 

وفي الختام، نقولها بلا تردد:

مؤتمر برلين لن يكون بداية الحل…

بل قد يكون، إن لم يُواجه بوعي وطني حقيقي،

بداية فصل جديد من فصول العبث.

 

لكن…

في السودان رجال ونساء،

يعرفون جيدًا أن الأوطان لا تُباع…

ولا تُشترى…

ولا تُدار بالوكالة.

 

وإن غدًا لناظره قريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى