مقالات

دكتور جادالله فضل المولي يكتب : المليشيات وفرفرة المذبوح

نقطة ارتكاز

 

لم تعد هجمات مليشيات الدعم السريع على المدن الآمنة مجرد أحداث عابرة في سجل الفوضى السودانية، بل تحوّلت إلى مشهد دموي يكشف عن حالة انهيار داخلي تعيشها هذه المليشيات وهي تتخبط في فرفرة مذبوحٍ يدرك أن نهايته تقترب. فالهجوم على المدنيين، ونهب الممتلكات، وتدمير البنى التحتية، لم يعد يُقرأ كقوة ميدانية بقدر ما يُقرأ كعلامة ضعفٍ وانكسارٍ وفقدانٍ للسيطرة.

لقد دفعت المليشيات، في محاولة يائسة لإطالة عمرها، إلى استقدام مرتزقة أجانب من إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى والنيجر، إضافة إلى عناصر مرتبطة بحفتر، بل وحتى مقاتلين من كولومبيا وغيرها من الدول التي تحوّلت فيها تجارة الحرب إلى مهنة. هذا الخليط من المرتزقة لا يعكس قوة، بل يعكس عجزاً عن تجنيد قاعدة محلية أو الحفاظ على تماسك داخلي، وهو ما يجعل هذه المليشيات تعتمد على من يقاتل لأجل المال لا لأجل قضية.

إن المدن السودانية التي كانت تنعم بالأمن أصبحت اليوم مسرحاًلعمليات انتقامية تنفذها مليشيات فقدت بوصلتها، فتحوّلت إلى آلة قتلٍ عشوائي لا تميّز بين طفلٍ وشيخٍ ولا بين مستشفىً وسوقٍ. وكلما ضاق الخناق عليها، ازدادت شراسةً في محاولة لإثبات وجودٍ يتآكل من الداخل. فرفرة المذبوح ليست قوة، بل هي آخر ما يفعله الجسد حين يفقد الحياة يتنفس بأضلعه.

ورغم كل هذا الخراب، يبقى المشهد الأوضح أن هذه المليشيات، مهما حاولت أن تبدو متماسكة، تعيش لحظاتها الأخيرة. فالتاريخ لا يحفظ للمليشيات مكاناً، ولا يمنح المرتزقة وطناً، ولا يترك للقتلة نهاية مشرّفة. وما يحدث اليوم هو صراعٌ بين الحق والباطل دولةٍ تحاول أن تنهض من تحت الركام، ومليشياتٍ تتهاوى تحت ثقل جرائمها، وتبحث في دماء الأبرياء عن طوق نجاةٍ لن يأتي.

إن السودان، برغم الجراح، قادرٌ على تجاوز هذه المرحلة، فالدول لا تسقط أمام مليشيات، والشعوب لا تُهزم أمام مرتزقة، والحقّ مهما طال غيابه يعود. أما المليشيات، فستبقى مثالاً حياً على أن فرفرة المذبوح قد تُحدث ضجيجاً لكنها لا تغيّر مصيراً.

وفي نهاية هذا المشهد الملتبس، لا يبقى من حقيقةٍ أوضح من أن المليشيات التي تستقوي بالمرتزقة وتستبيح المدن الآمنة إنما تسير بخطى ثابتة نحو نهايتها المحتومة. فالتاريخ لا يحمي من يعتدي على الشعوب، والذاكرة الجمعية لا تغفر لمن جعل من الخراب مشروعاً ومن الدم وسيلة. وما نراه اليوم ليس صعوداً لقوة، بل سقوطاً مدوّياً لجماعةٍ فقدت كل شيء، حتى قدرتها على إخفاء ضعفها. إنها فرفرة مذبوحٍ يضرب الهواء بلا هدف، يصرخ بلا صوت، ويتشبث بآخر خيوط البقاء قبل أن يبتلعه الظلام الذي صنعه بيديه. وسيبقى السودان، مهما طال الليل، أقوى من كل مليشيا، وأكبر من كل مرتزق، وأقدر على أن ينهض من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى