دكتور جاد الله فضل المولي يكتب :لحظة سقوط الأقنعة

في مشهدٍ سياسيٍّ يزداد عبثيّة يوماً بعد يوم، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تجرجر أذيالها من ساحة حربٍ لم تكن يوماً حربها، حربٌ دخلتها تحت ضغط الحسابات الاستراتيجية والرهانات الخاطئة، لتجد نفسها في مستنقعٍ لا قاع له، حيث لا نصر يُعلن ولا هزيمة تُخفى. إنّها لحظة الانكشاف الكبرى، لحظة سقوط الأقنعة التي طالما زيّنت خطاب القوة العظمى، فإذا بها تتحول إلى قوةٍ مرتبكة، تائهة، تبحث عن مخرجٍ يحفظ ماء الوجه، بينما الواقع يكتب سطوراً مختلفة تماماً.
لقد تورطت واشنطن في معركةٍ لم تحسب لها حساباً، معركةٍ ظنّت أنّها ستنتهي سريعاً بفرض الهيمنة وإعادة رسم الخرائط، فإذا بها تتحول إلى اختبارٍ قاسٍ لمدى قدرتها على الصمود أمام خصمٍ يعرف جيداً كيف يطيل أمد الصراع ويحوّل كل ضربةٍ إلى فرصة. إيران، التي اعتاد الغرب أن يصفها بالعناد، أثبتت أنّ هذا العناد ليس مجرد موقفٍ سياسي، بل استراتيجية متكاملة، قوامها الصبر الطويل، والقدرة على تحويل الضغط إلى وقودٍ للمقاومة، والرهان على أن الزمن ليس في صالح القوة التي تظن نفسها أبدية.
وحتى محاولات اغتيال قادات إيران لم تكن سوى أوراقٍ يائسة في يد واشنطن، أوراقٍ ظنّت أنّها ستعجّل بالانقلاب على الشرعية أو تُضعف بنية المقاومة، فإذا بها تتحول إلى دليلٍ جديد على سوء تقديرها. فاغتيال قائدٍ هنا لا يعني شيئاً في ميزان المعركة، لأنّ هناك ألف قائدٍ على أهبة الجاهزية، وكلّهم قد حُسب لهم ألف حساب منذ اليوم الأول. إيران لم تُفاجأ بهذه السيناريوهات، بل وضعتها في صميم استراتيجيتها، لتثبت أنّ الدماء المسفوكة لا تُوقف المسيرة، وأنّ كل محاولةٍ لكسر الإرادة تتحول إلى وقودٍ جديدٍ لاستمرارها.
الانسحاب الأمريكي ليس مجرد قرارٍ عسكري، بل هو إعلانٌ صريح عن فشل مشروعٍ كامل، مشروعٍ أراد أن يثبت أنّ القوة وحدها تكفي لإخضاع الخصوم، فإذا به يكتشف أنّ القوة بلا رؤية تتحول إلى عبءٍ ثقيل، وأنّ الحروب التي تُخاض بلا أهدافٍ واضحة تنتهي دائماً بخيبةٍ مدوّية. إنّها هزيمةٌ بالتنوين، هزيمةٌ لا تحتاج إلى شرحٍ طويل، لأنّ صور الجنود العائدين، والوجوه المرهقة في مراكز القرار، والارتباك في الخطاب السياسي، كلّها تنطق بما لا يريد أحد أن يعترف به علناً.
أما إيران، فهي تخرج من هذه المعركة وهي تحمل راية الانتصار، ليس لأنها حققت نصراً عسكرياً ساحقاً، بل لأنها أثبتت أنّها قادرة على الصمود، على قلب المعادلات، على تحويل الحرب إلى منصةٍ لإعادة تعريف نفسها كقوةٍ إقليمية لا يمكن تجاوزها. لقد انتصرت لأنها لم تُهزم، ولأنّ خصمها الأكبر خرج وهو يجرجر أذيال الخيبة، ولأنّ العالم بات ينظر إليها اليوم بعينٍ مختلفة، عينٍ ترى فيها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله مهما حاولت واشنطن أن تقلل من شأنه.
إنّ ما يحدث اليوم ليس مجرد فصلٍ عابر في كتاب الصراعات الدولية، بل هو علامة فارقة، لحظة ستُذكر طويلاً في التاريخ، لأنّها تكشف أنّ زمن الهيمنة المطلقة قد ولّى، وأنّ الشعوب والدول التي تُراهن على إرادتها قادرة على قلب الطاولة، حتى لو كان الخصم هو القوة الأعظم في العالم. أمريكا تنسحب، وإيران تنتصر، والعالم يكتب فصلاً جديداً عنوانه الساخر: هزيمةٌ بالتنوين.


