مقالات

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب : حكومة مسهمجة

نقطة ارتكاز

 

 

السودان اليوم يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية، مرحلة تتسم بالضبابية السياسية، والانهيار الاقتصادي، وتفكك النسيج الاجتماعي بفعل الحروب المتكررة التي أنهكت البلاد وأرهقت المواطن. في خضم هذا الواقع المرير، يطل سؤال جوهري: هل نحن بحاجة إلى حكومة جديدة تُعيد إنتاج الفشل ذاته، أم إلى حكومة كفاءات حقيقية تُعيد بناء الدولة على أسس راسخة؟

لقد خبر السودانيون تجارب حكومية متعاقبة، بعضها جاء محمّلاً بالشعارات البراقة والوعود الكبيرة، لكنه سرعان ما انكشف عن هشاشة في الأداء، وضعف في الرؤية، وانعدام في القدرة على مواجهة التحديات. تجربة حمدوك الأولى والثانية مثال صارخ على ذلك؛ حيث أُهدر الوقت في محاصصات سياسية ومساومات حزبية، بينما ظل المواطن يرزح تحت وطأة ضيق العيش، وغياب الخدمات، وتفاقم الأزمات.

الحكومة المسهمجة، تلك التي لا هي طاعمة ولا هي مسيخة، لا يمكن أن تكون خياراً في هذه المرحلة. السودان يحتاج إلى حكومة قوية، متماسكة، ذات برنامج واضح، تُدار بعقلية وطنية لا بعقلية محاصصة. المطلوب هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بعيداً عن المجاملات والترضيات، لأن إدارة الدولة ليست مجالاً للتجريب ولا للتجارب الفاشلة.

إن ما دمرته الحرب لا يمكن أن يُعالج إلا ببرنامج اقتصادي إسعافي عاجل، يضع أولويات واضحة: إعادة الإعمار، تحريك عجلة الإنتاج، استعادة الثقة في المؤسسات، وتوفير أساسيات الحياة للمواطن. هذا البرنامج لا بد أن يقوده فريق وطني من أصحاب الكفاءات الحقيقية، ممن يملكون الخبرة والمعرفة والقدرة على التنفيذ، لا من يكتفون بالتصريحات أو الادعاءات.

السودان غني بعقول وطنية خبيرة، قادرة على صياغة رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة. شخصية مثل الدكتور كامل إدريس، إذا ما أُتيح لها أن تقود حكومة كفاءات، يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في مسار الدولة. فالرجل يملك خبرة دولية واسعة، ورؤية اقتصادية متقدمة، وقدرة على إدارة الملفات المعقدة بروح وطنية صادقة. حكومة بقيادته، إذا ما تعكفت على مشروع وطني جامع، يمكن أن تكون نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.

لكن نجاح أي حكومة لا يتوقف على القيادة وحدها، بل على الإرادة السياسية الصلبة، والقدرة على مواجهة التحديات بشجاعة، والابتعاد عن الشعارات الفارغة. المطلوب اليوم هو حكومة تُدرك أن السودان لا يحتمل المزيد من التجريب، وأن المواطن لم يعد يطيق المزيد من الوعود الكاذبة. المطلوب هو حكومة تُعيد الاعتبار للكفاءة، وتُعيد بناء الدولة على أسس العدالة والشفافية والمهنية.

إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن يواصل الانحدار نحو مزيد من الفوضى والانهيار، أو أن ينهض بحكومة كفاءات حقيقية تُعيد له مكانته، وتفتح الطريق أمام مستقبل يستحقه الشعب السوداني. الخيار واضح، والمسؤولية جسيمة، والوقت لا يحتمل التردد.

السودان لا يحتاج إلى حكومة مسهمجة، بل إلى حكومة قوية، وطنية، كفؤة، تُعيد بناء ما دمرته الحرب، وتُعيد الأمل إلى شعب أنهكته الأزمات. هذه هي المعركة الحقيقية، وهذه هي الفرصة التي لا ينبغي أن تضيع.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى