المعز مجذوب يكتب : حقائق

في حبر من نار، تُكتب الحقائق بلا مواربة، وتُسطر المواقف بلا تردد.
كتبنا دفاعًا عن القومية… فبأي منطق نُعاد إلى خشم البيت؟
كتبنا دفاعًا عن الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم، لا لأنه من أبناء جنوب كردفان – جبال النوبة، بل لأننا رأيناه—ويُفترض أن يُرى—رجل دولة وقامة قومية، لا ممثل جهة، ولا واجهة قبيلة، ولا عنوان اصطفاف أهلي.
كان موقفنا واضحًا، ومبنيًا على قناعة سياسية واعية لا عاطفية: أن المسؤول العام يُقاس بدوره الوطني، ويُحصَّن بشرعية الدولة، وتُحمى مكانته بالمؤسسات، لا بحشود القرابة ولا بنداءات “خشم البيت”.
غير أن ما حدث مؤخرًا، والمتمثل في وقفة نُفِّذت أمام منزل معاليه بواسطة مجموعة محسوبة على دائرته الأهلية، لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا عابرًا أو تصرّفًا حسن النية. بل هو—في جوهره—خطأ سياسي فادح، مهما كانت الدوافع، ومهما حاول البعض تبريره.
فهذه الوقفة لا تحصّن الرجل، بل تكشفه. ولا ترفعه فوق الاستهداف، بل تضعه مباشرة في مرماه. وتحوله، عن قصد أو عن جهل، من رمز قومي إلى عنوان اصطفاف أهلي، ومن رجل دولة إلى “ابن بيت” تحيط به دائرته الاجتماعية.
وهنا تفرض الأسئلة نفسها، دون مواربة أو تجميل:
من الذي فوّض هذه المجموعة؟
وبأي صفة تُخاطَب الدولة من أمام منزل مسؤول قومي؟
وهل أصبح المنصب العام يُدار بمنطق البيت، لا بمنطق المؤسسة؟
الأخطر من ذلك كله هو الرسالة غير المعلنة التي قد تُقرأ من هذا المشهد:
هل يُطلب من المجتمعات المحلية أن تحمي “أبناءها” في السلطة بنفسها؟
إن كان هذا هو المنطق، فنحن لا نبني دولة، بل نؤسس لفوضى مُقنَّعة بخطاب التماسك الاجتماعي.
إن الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم لا يمثل خشم بيت، ولا ينبغي أن يُقدَّم بهذه الصورة. فذلك انتقاص من مكانته قبل أن يكون إساءة لغيره. والرجل—إن كان قوميًا كما نعتقد وكما كتبنا—يجب أن يُرفَع فوق الجهة، لا أن يُعاد إليها، وأن يُقرأ في إطار الدولة، لا في حدود القرابة.
لقد دافعنا عنه لأنه ابن الوطن كله، لا لأنه ابن منطقة أو قبيلة.
فلا يُجبرنا أحد اليوم على الدفاع عن الفكرة نفسها، ولكن هذه المرة ضد ممارسات صادرة من أقرب الدوائر إليه.
الدولة لا تُحمى بالقرابة.
والمنصب العام لا يحتمل الرسائل المزدوجة.
والتاريخ لا يرحم من يخلط بين القومية وخشم البيت.
خاتمة
في حبر من نار، تُكتب المواقف بلا تردد:
فإما أن تكون الدولة فوق الجميع، أو لا تكون.
وإما أن يُحمى المسؤولون بالقانون، أو يُصبح كل شيء مباحًا


