Uncategorized

الدكتور جبريل إبراهيم : إدارة الاقتصاد السوداني في زمن الدولة الهشّة

تقرير

كتب : المعز مجذوب

 

يتناول هذا المقال الدور الاستراتيجي الذي اضطلع به وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم محمد فضيل في إدارة الاقتصاد السوداني خلال واحدة من أعقد الفترات في تاريخ الدولة الوطنية، حيث تداخلت الحرب، والانهيار المؤسسي، وتآكل الموارد، والعزلة المالية. ويركّز التحليل على فلسفة الرجل الاقتصادية، أدواته، وحدود حركته داخل بنية دولة مأزومة.

 

أولًا: الإطار النظري – الاقتصاد في سياق الدولة المنهكة

 

في الدول التي تعيش صراعًا مسلحًا، تتحول وزارة المالية من مؤسسة تخطيط وتنمية إلى غرفة إدارة أزمات سيادية.

وعليه، فإن تقييم أداء وزير المالية لا يجب أن يُقاس بمعايير النمو التقليدية، بل بقدرته على:

منع الانهيار الكامل

الحفاظ على الحد الأدنى من الوظائف السيادية

إدارة الندرة بدل الوفرة

 

في هذا السياق، تحرّك الدكتور جبريل إبراهيم ضمن نموذج اقتصاد الصمود لا اقتصاد الرفاه.

 

ثانيًا: الخلفية المعرفية وتأثيرها على القرار الاقتصادي

 

يمتلك د. جبريل:

تكوينًا أكاديميًا اقتصاديًا (دراسات عليا في الاقتصاد)

تجربة سياسية وتنظيمية طويلة

احتكاكًا مباشرًا بقضايا الهامش والعدالة في توزيع الموارد

 

هذا المزيج انعكس في:

تركيزه على القطاعات الحقيقية (الزراعة – التعدين)

تشكيكه في الاقتصاد الريعي غير المنتج

رفضه للاعتماد الكامل على المنح دون بناء موارد داخلية

 

 

ثالثًا: محددات الاستراتيجية الاقتصادية لوزارة المالية

 

1. تعظيم الموارد الذاتية

 

في ظل توقف أغلب الإيرادات، اتجهت السياسة المالية إلى:

تحسين التحصيل الضريبي

محاولة ضبط صادرات الذهب

تقليص التسرب المالي

 

وهي سياسات دفاعية تهدف إلى منع الانهيار لا تحقيق الفائض.

 

2. أولوية الأمن الغذائي

 

اعتبر الوزير الزراعة العمود الفقري للاقتصاد السوداني، ليس كشعار سياسي بل كضرورة وجودية، خاصة مع:

انقطاع سلاسل الإمداد

النزوح الواسع

ارتفاع كلفة الاستيراد

 

3. ضبط الإنفاق العام

 

رغم محدودية السيطرة على بنود كبيرة، سعت الوزارة إلى:

تقليل الصرف غير الإنتاجي

توجيه الموارد القليلة إلى الصحة والخدمات الأساسية

إدارة العجز بدل تضخيمه

 

رابعًا: الاقتصاد والحرب – معادلة مستحيلة

 

الحرب فرضت معادلة قاسية:

تراجع الإيرادات

تضخم متسارع

انهيار العملة

فقدان الثقة المصرفية

 

وفي هذا الإطار، لم يكن وزير المالية صانع قرار مطلق، بل مدير خسائر في دولة تتعرض لاستنزاف يومي.

 

خامسًا: العلاقات الخارجية والتموضع الدولي

 

سعى د. جبريل إلى:

إعادة السودان إلى طاولة المؤسسات المالية

الحفاظ على قنوات اتصال مع الشركاء الإقليميين

تقديم خطاب اقتصادي واقعي غير تجميلي

 

وهو خطاب يقرّ بالأزمة بدل إنكارها، ويطالب بالدعم على أساس الاستقرار الإقليمي لا الشفقة السياسية.

 

سادسًا : النقد الموضوعي للتجربة

 

نقاط القوة

وضوح الرؤية في زمن الفوضى

أولوية الإنتاج على الاستهلاك

خطاب اقتصادي واقعي

 

نقاط الضعف

محدودية الأدوات التنفيذية

تآكل مؤسسات الدولة

ضعف السيطرة على الاقتصاد الموازي

 

وهي نقاط لا تعكس فشلًا فرديًا بقدر ما تكشف أزمة بنيوية في الدولة السودانية نفسها.

 

وزير مالية أم عقل دولة؟ :-

لم يكن الدكتور جبريل إبراهيم مجرد وزير مالية تقليدي، بل لعب دور عقل اقتصادي للدولة في مرحلة بقاء.

نجح في منع السقوط الحر، لكنه يعمل داخل دولة:

منقسمة

محاصرة

منهكة بالحرب

 

وعليه، فإن الحكم النهائي على تجربته يجب أن يُؤجل إلى ما بعد الحرب، حيث فقط يمكن للاقتصاد أن يُقاس بمنطق التنمية لا الصمود.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. سياسات السيد الوزير في الحقبة الحالية وادارته للممالبة وفي ظل الازمة تعتبر انجاز يتجاوز 200٪

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى