Uncategorized

المعز مجذوب يكتب : هل للسلطة سكرات؟

 

نعم… للسلطة سكرات، كما للموت سكراته، وكما للغفلة نهاياتها المؤلمة.

فالسلطة حين تطول، ولا تُحاط بالمحاسبة، تُصاب بدوار العظمة، وتتوهم الخلود، وتنسى أن الكرسي – مهما اشتد وثاقه – هشّ أمام إرادة الشعوب.

سكرات السلطة تبدأ حين لا يعود الحاكم يسمع إلا صوته، ولا يرى في الناس إلا ظلالاً باهتة، وحين تتحول النصيحة إلى خيانة، والسؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى تهديد. عندها تدخل السلطة مرحلة الخطر: مرحلة الإنكار.

في سكرات السلطة، يُزيَّف الوعي، ويُعاد تعريف الوطن على مقاس الحاكم، ويُختزل الشعب في حفنة من المصفقين. تُكتب البيانات بلغة الانتصار، بينما الواقع ينزف، وتُرفع الشعارات العالية لتغطية الفراغ الكبير في العدالة والكرامة.

أخطر ما في سكرات السلطة أنها لا تشعر بنفسها.

تظن أن القبضة الحديدية دليل قوة، وأن الصمت رضا، وأن الخوف استقرار. لكنها تغفل أن الخوف لا يصنع وطناً، وأن الصمت ليس قبولاً، بل انتظار.

وحين تشتد السكرة، تتسارع الأخطاء:

قرارات مرتجلة، عنف بلا رؤية، خصومات بلا حساب، وعداء مع الشعب نفسه. هنا تبدأ السلطة في معاداة المرآة، لأنها تخشى أن ترى حقيقتها.

التاريخ لا يرحم السلطات التي لم تفهم شعوبها.

كل سلطة ظنت نفسها أبدية، سقطت حين تجاهلت أن الشرعية لا تُفرض، وأن الكرامة لا تُقمع، وأن الدم لا يُمحى بالخطاب.

نعم، للسلطة سكرات…

لكن الفرق بين سلطة راشدة وسلطة ساقطة، أن الأولى تفيق قبل السقوط، وتراجع نفسها، وتفتح أبوابها للنقد، أما الثانية فتواصل الترنح حتى الهاوية، ثم تتساءل – متأخرة – كيف حدث هذا؟

وفي النهاية، لا تموت الأوطان بسقوط السلطات،

بل تحيا…

ويموت فقط وهم القوة، وغرور الكرسي، وسُكرة من ظن أن الحكم غاية لا أمانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى