المعز مجذوب خليفة يكتب : دروس في الوطنية

هل نحن وطنيون حقًا وفعلاً، أم أن الوطن والوطنية ما هي إلا جسرًا للعبور من أجل تحقيق مطامع شخصية وإرضاءٍ لغرور النفس المتعلّقة بالأنا فقط؟
يُفترض بالوطنية أن تكون قيمة أخلاقية عليا، تنبع من الإحساس العميق بالانتماء، ومن الاستعداد الصادق للتضحية من أجل الأرض والإنسان والذاكرة المشتركة. غير أن هذا المفهوم، في واقعنا المعاصر، بات ملتبسًا ومشحونًا بالتناقضات، حتى أصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن وطنيون حقًا؟ أم أننا نرتدي ثوب الوطنية حين يخدم مصالحنا، وننزعه متى تعارض مع أهوائنا؟
كثيرًا ما تُرفع شعارات الوطن في الخطب، وتُزيَّن بها المنابر، وتُستعمل كعملةٍ رائجة في سوق السياسة والمصالح. لكن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعلوّ الصوت، ولا بكثرة الادّعاء، بل تُقاس بالفعل، بالصدق، وبالقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فكم من شخصٍ يرفع راية الوطن عاليًا، بينما ينهش خيراته في الخفاء؟ وكم من متغنٍّ بالوطن، لا يرى فيه إلا سلّمًا يصعد عليه ليُشبع غروره ويُضخّم “أنا” متضخّمة أصلًا؟
إن أخطر ما يهدد مفهوم الوطنية هو تحويله إلى أداة. حين يصبح الوطن وسيلة لا غاية، وجسرًا للعبور لا بيتًا للسكن، تفقد الوطنية معناها، وتتحول إلى قناعٍ أخلاقي يخفي خلفه أنانية مفرطة. في هذه الحالة، لا يكون حب الوطن إلا حبًا مشروطًا: نحبه ما دام يمنحنا، ونخذله حين يطالبنا بالعطاء.
الوطنية الصادقة لا تتجلّى في لحظات الربح، بل في أوقات الخسارة. تظهر حين يكون الدفاع عن الحق مكلفًا، وحين يكون الصمت أسهل من المواجهة. هي التزام يومي بالقيم، واحترام للقانون، وحرص على كرامة الإنسان، أيًّا كان موقعه أو اختلافه. أما الوطنية الزائفة، فهي تلك التي تُستدعى عند الحاجة، وتُغيَّب عند المحاسبة.
ولا يمكن إنكار أن “الأنا” تلعب دورًا محوريًا في تشويه هذا المفهوم. فحين تتضخم الذات، يصبح الوطن مجرد امتداد لها، لا كيانًا مستقلًا يستحق الاحترام. عندها يُختزل الوطن في المنصب، أو الحزب، أو الجماعة، ويُقصى كل من لا يدخل في هذا الإطار الضيق، وكأن الوطن خُلق لفئة دون أخرى.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا ومقلقًا: هل نحب الوطن لذاته، أم لما يقدّمه لنا؟ والإجابة الصادقة على هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو استعادة معنى الوطنية الحقيقي، تلك الوطنية التي لا تبحث عن مجدٍ شخصي، ولا تتغذّى على الأنا، بل تقوم على الإخلاص، والمسؤولية، والإيمان بأن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل المصالح العابرة



