
يمر السودان بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة يهدد كيان الدولة السودانية في عمقها الجغرافي والاجتماعي والثقافي إذ لم تعد الحرب الدائرة مجرد صراع بل تحولت إلى مشروع ممنهج لتفكيك الدولة السودانية من الداخل عبر أدوات الهدم والتخريب والتغيير الديمغرافي المتعمد الذي يستهدف النسيج الاجتماعي المتماسك منذ قرون
في دارفور وكردفان تتكشف ملامح هذا المخطط بوضوح حيث تسعى المليشيات المدعومة خارجياً إلى إعادة رسم الخارطة السكانية عبر تهجير السكان الأصليين من أراضيهم التاريخية وتوطين عناصر وافدة لا تمت بصلة إلى الأرض ولا إلى ثقافتها ولا إلى أعرافها في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الاستعمار والاستيطان القسري.
الحواكير التي تمثل رمزية الأرض والانتماء والهوية تُنهب وتُزوّر في وضح النهار تحت سمع وبصر العالم الذي يكتفي بالصمت أو البيانات الباردة بينما تُرتكب جرائم التهجير والتطهير العرقي وتُغتصب الأرض والعرض وتُطمس المعالم الثقافية والتاريخية لمجتمعات عريقة قاومت الاستعمار ودفعت أثماناً باهظة من أجل استقلالها وكرامتها.
في خضم هذا المشهد القاتم يبرز السؤال الجوهري ما الذي يفعله أبناء الشعب السوداني في مواجهة هذا الزحف الممنهج على وطنهم وهويتهم هل سنكتفي بالمراقبة والشكوى أم سننهض من تحت الركام لنكتب فصلاً جديداً من فصول المقاومة والصمود.
إن مسؤولية الدفاع عن السودان لا تقع على عاتق جهة دون أخرى بل هي أمانة في أعناق الجميع من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب فالوطن لا يُحمى إلا بسواعد أبنائه ولا يُسترد إلا بإرادتهم الحرة ووعيهم بخطورة المرحلة.
لقد آن الأوان أن نرتقي فوق الجراح والخلافات وأن نعيد ترتيب أولوياتنا على قاعدة الوطن أولاً وأن ننبذ خطاب الكراهية والجهوية وأن نلتف حول مشروع وطني جامع يعيد للسودان هيبته ويصون كرامة شعبه ويؤسس لعدالة انتقالية حقيقية تقتص للضحايا وتضع حداً للإفلات من العقاب.
السودان ليس مجرد جغرافيا بل هو تاريخ وهوية وكرامة وواجبنا اليوم أن نكون على قدر التحدي وأن نثبت للعالم أن جداد البيت لا يُطرد بل يصمد ويقاوم ويعيد بناء العش مهما اشتدت العواصف.


