دكتور جادالله فضل المولي يكتب : الإعلام المختطف: كيف تروّج المليشيا لحربها النفسية عبرك
نقطة إرتكاز

في زمن الحروب، لا تُخاض المعارك بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والمعلومة. والمليشيا في السودان أدركت مبكراًأن السيطرة على الإعلام تعني السيطرة على الوعي، فاستحوذت على المنصات، واحتلت الفضاء الرقمي، وبدأت تبث روايتها الخاصة،وسمومها لا لتقنع، بل لتخترق العقول وتُضعف الإرادة. المواطن العادي، دون أن يدري، تحوّل إلى ناقل أخبارها، مجرد أداة في ماكينة الحرب النفسية، يشارك الفيديوهات، يعيد التغريدات، ينقل التصريحات ويمنحها الانتشار الذي تسعى إليه.
المشكلة ليست في مضمون الخبر، بل في فعل النقل ذاته. سواء نقلته سلباً أو إيجاباً، فأنت تساهم في توسيع دائرة التأثير، وتمنح المليشيا مكسباً مجانياً. كل إعادة نشر هي خطوة نحو ترسيخ روايتها، وكل تفاعل هو دفعة في معركتها النفسية. حين تنقل خبراً عن المليشيا، فأنت لا تفضحها، بل تروّج لها، لأن الحرب النفسية لا تحتاج إلى تصديق، بل إلى تكرار. وكلما تكررت الرواية، ترسخت، وكلما ترسخت، ضعفت الجبهة الداخلية، واهتزت الثقة، وتسللت الهزيمة إلى النفوس.
المليشيا لا تملك مشروعاً وطنياً ولا رؤية سياسية، بل تقتات على الفوضى وتعيش على الترويع. وهي تدرك أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، بل قد تكون أكثر حسماً. لذلك، تستثمر في صناعة المحتوى، وتضخ الصور والمقاطع والبيانات، وتُغرق الفضاء الرقمي بروايتها، لتبدو وكأنها الطرف الأقوى، بينما الحقيقة على الأرض تقول غير ذلك. الجيش يتقدّم، وسلاح الجو يحسم، والمليشيا تتراجع، لكن صوتها في الإعلام يعلو لأن الناس تروّجه دون وعي.
هنا تأتي مسؤولية المواطن، ليس في رفض روايةالمليشيا بل في رفض أن يكون جزءاً من أدواتها. لا تكن ناقلاً ولا متلقياً، لا تمنحها مساحة في حديثك، لا تروّج لصورها، لا تتداول مقاطعها، لا تسمح لها أن تعيش في هاتفك أو في ذهنك. رأيت فيديو محبطاً؟ تجاهله. ابحث عن آخر يرفع المعنويات، يعزز الثقة، يذكّرك أن السودان يقاتل من أجل البقاء، وأن الجيش يتقدّم، وأن النصر يُصنع بالصبر والثبات. لا تسمع للمحبط، ولا تنقل صوت المهزوم، ولا تفتح نافذة للعدو داخل بيتك.
الإعلام اليوم هو ساحة المعركة، والوعي هو خط الدفاع الأول. المليشيا لا تنتصر في الميدان، بل تحاول أن تنتصر في العقول. وكل مواطن يشارك أخبارها يمنحها سلاحاً جديداً. فلنغلق هذا الباب، ولنحاصرها في عزلتها، ولنرفع صوت السودان الحقيقي، صوت البطولة والسيادة، لا صوت الفوضى والارتزاق. السودان لا يُهزم في الميدان، لكنه قد يُخترق في الوعي، إذا لم ننتبه. فاختر موقعك: إما أن تكون جزءاً من المقاومة، أو أداة في يد المليشيا. والاختيار يبدأ من أول خبر تشاركه.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.


