
لا شك أن صمود الفاشر الطويل في هذه الحرب صفحة مضيئة في سجل الصبر والإصرار السوداني. فهذه المدينة واجهت لأشهر طويلة جحافل مليشيا الدعم السريع وأرتال المرتزقة الذين جُلبوا من كل صوب، بمن فيهم المرتزقة الكولومبيون، فكانت الفاشر محرقة حقيقية لعتادهم وأوهامهم. غير أن الدعم الهائل الذي تلقته المليشيا في الأيام الأخيرة يشير إلى أن هناك إرادة إقليمية تسعى لكسر صمود المدينة، تمهيدًا لفرض مشهد سياسي يخدم دعاة “التسوية” و”اللا حل العسكري” من بين الساسة المرتزقة الذين صمتوا عن جرائم القتل والانتهاكات التي ارتُكبت على أبواب الفاشر، واحتفلوا بانكسارها كمن يحتفل بخسارة وطنه.
لكن الحقيقة أن سقوط الفاشر — إن صح تسميته سقوطًا — ليس نهاية الطريق، فقد سبقتها مدن عدة سقطت ثم نهضت، وعاد إليها جيش السودان رافعًا راية النصر بعد أن حررها شبراً شبراً من عبث المأجورين. وكما استعادت مدن الخرطوم والجزيرة وسنجة وشمال كردفان أنفاسها من قبل، فإن إرادة الجيش والشعب كفيلة بأن تعيد الفاشر إلى حضن الوطن.
أما في كواليس المشهد، فكل ما جرى في الفاشر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحديث الدولي المتصاعد عن “ضرورة التفاوض”. فالكفيل الخارجي يريد أن يدخل حليفه الميداني إلى المائدة من موقع قوة، تمامًا كما أراد من قبل أن يُضعف الجيش ليُرغمه على تسوية غير متكافئة. غير أن التاريخ السوداني لا ينسى؛ ففي مفاوضات نيفاشا، حين استغل قرنق الهدنة ليتسلل إلى توريت، أوقف الجيش التفاوض واستعاد المدينة في ساعات، ثم عاد إلى طاولة الحوار من موقع القوة والسيادة.
فهل يعيد الجيش اليوم المشهد ذاته؟
هل سنرى البرهان محمولًا على الأكتاف في الفاشر، كما حمله الجنود في أم درمان بالأمس؟
أم نرى هزيمة سياسية تُصنع على موائد التفاوض التي يرعاها حسّاد السودان ممن نصبوا أنفسهم “أجاويد”، وهم في الحقيقة الممولون والداعمون الخفيون للمليشيا؟
المعركة لم تنتهِ، والفاشر لم تُهزم، فما يجري ليس إلا جولة أخرى في صراع الإرادة بين جيشٍ يقاتل دفاعًا عن وطنٍ عظيم، ومرتزقةٍ يقاتلون بالوكالة عن كفيلٍ يهاب وحدة السودان وقوته.
الآن، الأنظار كلها متجهة نحو ما ستفعله قيادة الجيش وحكومة الأمل، فالمطلوب استعادة الأرض وتثبيت معادلة الردع التي تُفشل رهانات المليشيا وداعميها الخارجيين.
وقد أثبتت التجربة أن التفاوض لا يكون مجديًا إلا حين يكون الطرف الوطني ممسكًا بزمام المبادرة ميدانيًا.
وأمام الجيش فرصة تاريخية لكتابة فصل جديد من فصول الكبرياء والشرف السوداني الباذخ، بأن يجعل من الفاشر رمزًا لإعادة التوازن، وبوابةً لسلامٍ عادلٍ تُفرض شروطه من قلب الميدان لا من غرف المساومات.
وحينها فإن كل ما خُطط له لإضعاف البلاد سينقلب وبالًا على صانعيه.


