
في خضم معركة الكرامة التي يخوضها الشعب السوداني وجيشه الوطني، يبرز غياب الإعلام الوطني كأحد أخطر الثغرات التي تركت المواطن السوداني مكشوفاً أمام سيلٍ جارفٍ من الشائعات والتضليل الإعلامي الخارجي. لم يكن الغياب مجرد تقصيراً فنياً أو ضعفاً في الإمكانيات، بل كان انهياراً في الدور الحيوي الذي يفترض أن يلعبه الإعلام في زمن الحرب، حين تكون الحقيقة سلاحاً، والمعلومة جبهةً لا تقل أهمية عن الميدان.
الإعلام الوطني فشل فشلاً ذريعاً في احتكار رواية المعركة، وفي بث الحقائق، وفي دحض الأكاذيب التي تتسلل عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الأجنبية. ترك الأرض رخوةً وهشةً، فغزتها أجندات خارجية، واحتلتها روايات مضادة، جعلت المواطن السوداني حائراً، يتابع انتصارات جيشه وتضحياته عبر شاشات لا تنتمي إليه، ويصدق كل ما يُبث من الخارج، لأنه لا يجد من الداخل ما يرد أو يوضح أو يفسر.
المواطن السوداني اليوم يعيش بين مطرقة الشائعات وسندان الإعلام الأجنبي، يبحث عن الحقيقة ولا يجدها، يتملكه الإحباط، ويشعر أن معركته تُدار في غيابه، وأن صوته لا يُسمع، وأن تضحياته لا تُوثق. الإعلام الوطني صفرٌ كبيرٌ في معركةٍ تحتاج إلى عقلٍ مركزيٍ يديرها، ويملك زمام المبادرة، ويُخاطب الداخل والخارج بلغةٍ واثقةٍ ومهنيةٍ ووطنية.
هل من المعقول أن تمر أربعة وعشرون ساعة من الأحداث دون أن يملك الشعب روايةً رسميةً واحدةً عمّا يدور؟ هل يُعقل أن يتابع السودانيون انتهاكات المليشيا، وانتصارات القوات المسلحة، عبر قنواتٍ أجنبيةٍ بعضها منحازاً وبعضها موجهاً؟ أين الإعلام الوطني؟ أين غرف العمليات؟ أين الصوت الذي يُطمئن الناس ويُحصّنهم من الفوضى المعلوماتية؟.
إن غياب الإعلام الوطني ليس مجرد خللاً، بل خطرٌ وجوديٌ في معركةٍ لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالكلمة، بالصورة، بالوعي. لا يمكن أن ننتصر ونحن نُهزم في الفضاء الإعلامي، ولا يمكن أن نُقنع العالم بعدالة قضيتنا ونحن لا نملك أدوات سردها.
المعركة مستمرة، والعدو لا ينام، والإعلام يجب أن يكون في قلبها، لا على هامشها. فإما أن نُدير روايتنا بأنفسنا، أو نتركها تُكتب بأقلامٍ لا تعرفنا، ولا تريد لنا الخير.
الإعلام ليس ترفاً في زمن الحرب، بل جبهةٌ لا تقل أهمية عن الميدان لأنه يصوغ الوعي ويحصّن الجبهة الداخلية، ويمنح الشعب بوصلة الحقيقة وسط ضجيج الأكاذيب. من لا يملك روايته، يُروى عنه كما يشاء الآخرون.


