
السودان، ذلك البلد الذي لا يُشق له غبار في التاريخ والثقافة والموهبة،والذي علم الشعوب،يقف اليوم على مفترق طرق بين ماضٍ مجيد وحاضر يئن تحت وطأة الإهمال والتراجع. لم يكن تأخرنا عن ركب العالم المتحضر في التعليم والتنمية والابتكار نتيجة نقص في الموارد أو غياب في القدرات، بل كان نتيجة مباشرة لتجاهلنا أهم مورد لدينا: الشباب.
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، بل هم الطاقة التي تُشعل شرارة التغيير، والعقول التي تُعيد تشكيل الواقع، والقلوب التي تنبض بالأمل. حين نُهملهم، فإننا نُهمل المستقبل بأكمله. وحين نُقصيهم عن دائرة القرار، فإننا نُقصي السودان عن موقعه الطبيعي بين الأمم.
في المقابل، نجد أن دولاً مثل بوركينا فاسو، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، اختارت أن تُراهن على شبابها. ففي خطوة ثورية، أعلن الرئيس إبراهيم تراوري عن إلغاء كافة الرسوم المدرسية، ليصبح التعليم مجانياً بالكامل من المرحلة الابتدائية وحتى التعليم العالي. لم تكن هذه مجرد سياسة تعليمية، بل إعلان صريح بأن مستقبل بوركينا فاسو يبدأ من قاعات الدراسة، من دفاتر التلاميذ، ومن أحلام الطلبة.
ما الذي يمنع السودان من اتخاذ خطوات مماثلة؟ هل ننتظر معجزة، أم أن الوقت قد حان لنُدرك أن المعجزة الحقيقية تكمن في الاستثمار في الإنسان؟ التعليم المجاني من رياض الأطفال الي التعليم العالي والتدريب المهني، دعم المبادرات الشبابية، فتح أبواب المشاركة السياسية، كلها ليست رفاهيات، بل ضرورات وطنية.
إن نهضة السودان لن تأتي من الخارج، ولن تُصنع في المؤتمرات الدولية، بل ستولد من داخل قلوب شبابه، حين يشعرون أن وطنهم يؤمن بهم، يثق بقدراتهم، ويمنحهم الأدوات اللازمة ليُبدعوا ويُغيروا.
متى نستثمر في الشباب؟ الجواب ليس غداً، ولا بعد حين. الجواب هو الآن. لأن كل يوم نتأخر فيه عن دعمهم، هو يوم نخسره من عمر الوطن.



