صلاح غريبة يكتب : نهر الحياة على المحك: الأضرار المتوقعة من سد النهضة على الأمن المائي لمصر والسودان
شي للوطن
لقد تجاوز مشروع سد النهضة الإثيوبي كونه مجرد مشروع تنموي، ليصبح مسألة أمن قومي وجودية لدولتي المصب، مصر والسودان. ففي ظل الممارسات الأحادية في ملء وتشغيل السد، تبرز مخاوف حقيقية من تأثيرات كارثية ومستدامة على الأمن المائي والغذائي، خصوصاً في حالة عدم التوصل لاتفاق قانوني ملزم يراعي مصالح الجميع. إن نتائج وتوصيات ورشة العمل التي جمعت أكاديميين ومستشارين في مجال الري من البلدين مؤخراً، تؤكد على الحاجة الماسة لاستراتيجية موحدة ومدروسة لمواجهة التداعيات المحتملة لهذا المشروع الضخم
إن السودان، بصفته دولة المصب الأولى والأقرب للسد، يواجه تهديدات مزدوجة ومتناقضة حسب سيناريوهات التشغيل المختلفة، فخطر الفيضان المُفاجئ (في حالات التشغيل غير المنسق أو الطوارئ)، ففي حالة الاضطرار لتصريف كميات ضخمة من المياه فجأة لحماية جسم السد (لا سيما مع الاعتماد على الممر الأوسط كمفيض رئيسي غير مصمم هندسياً لذلك)، سيؤدي ذلك إلى فيضان مدمر في السودان. فالكمية الهائلة من المياه قد تتجاوز قدرة سد الروصيرص على الاستيعاب، مما يهدد بإغراق مدن ومناطق واسعة على طول النيل الأزرق، ويهدد حياة ملايين السودانيين القاطنين على ضفاف النهر.
احتمالات نقص المياه والجفاف (في فترات الملء أو الجفاف المطول)، حيث أدت تجارب الملء السابقة إلى نقص في إمدادات المياه، أثر على الري واحتياجات المنازل والصناعة، وسبّب “هلع من العطش” في بعض المناطق. سيؤدي استمرار الملء أو التشغيل غير المنسق، خاصة في سنوات الجفاف، إلى انخفاض كبير في كمية المياه الواردة للسودان، مما يهدد بتعطيل مخططات الري (مثل مشاريع الرهد والدندر وكنانة) ويؤثر سلباً على الزراعة المروية وتوليد الكهرباء.
الآثار البيئية والمورفولوجية، حيث يؤدي حجز السد لأكثر من 90% من الطمي السنوي الذي يحمله النيل الأزرق إلى أضرار بالغة. يؤدي فقدان الطمي إلى تدهور خصوبة الأراضي الزراعية حول النيل الأزرق التي كانت تعتمد على التجديد الطبيعي لهذا الطمي، بجانب نحر الشواطئ والقاع بسبب خروج المياه النظيفة الخالية من الطمي من السد، مما قد يغير مورفولوجية (شكل) مجرى النهر في السودان.
الحديث عن الأضرار المتوقعة على الأمن المائي لمصر والسودان والتهديدات التي يمثلها سد النهضة تتجاوز الآثار المباشرة لتشمل الأمن المائي الإقليمي ككل، بتهديد الحصة المائية ونقص الإيراد، فيُشكل السد تهديداً وجودياً لمصر، التي تعتمد على النيل بنسبة 98% من مواردها المائية المتجددة، وتعيش بالفعل تحت خط الفقر المائي. حجز 60 مليار متر مكعب من المياه على مدار السنوات الماضية يمثل حجزا لإيراد مائي كان يتجه إلى دولتي المصب. في حالة استمرار التشغيل الأحادي بالتزامن مع فترة جفاف مطول، قد ينجم عن ذلك خروج أكثر من مليون ومائة ألف شخص من سوق العمل في مصر وفقدان ما يقرب من 15% من الرقعة الزراعية، فضلاً عن تأثيره على قدرة السد العالي على تنظيم وتخزين المياه.
تدهور نوعية المياه فيؤدي تخزين المياه في بحيرة السد لفترات طويلة إلى نمو غير منضبط للطحالب والنباتات المائية (Phreatophytes)، مما يسبب تلوثاً ويغير “الحالة” (Trophic State) للخزان والنيل الأزرق، ويؤثر سلباً على جودة المياه وصلاحيتها للاستخدامات المختلفة في دول المصب.
مخاطر البنية التحتية والجيولوجية، حيث إن سعة تخزين السد الكبيرة (حوالي 60 مليار متر مكعب فعلياً) في منطقة ذات نشاط زلزالي وخصائص جيولوجية غير مستقرة تثير المخاوف. أي خطأ في إدارة هذه الكميات الضخمة أو انهيار جزئي/كلي للسد (لا قدر الله) يترتب عليه كارثة إنسانية وبيئية واقتصادية في البلدين.
لقد أجمعت الآراء الأكاديمية والاستشارية في الورشة المتخصصة التي حضرتها مؤخرا، على أن الممارسات الأحادية قد أفقدت مصر والسودان جزءاً من ضماناتهما، وأن الطريق إلى الأمام يتطلب رؤية جديدة. بضرورة الاتفاق القانوني المُلزم بتأكيد ثبات الحقوق المائية لمصر والسودان وفق قواعد القانون الدولي (خاصة مبدأ “عدم التسبب في ضرر جسيم”). والمناداة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم ينظم عمليتي ملء وتشغيل السد، ويقلل السعة التخزينية بشكل يضمن عدم الإضرار بدولتي المصب.
أوصت الورشة بضرورة التنسيق وبناء رؤية مشتركة موحدة بين مصر والسودان، وتنسيق الجهود السياسية والمجتمعية، مع إعادة إدارة الملف إلى المؤسسات المدنية والخبراء المختصين لتطوير استراتيجية متكاملة (سياسية، قانونية، وفنية) بعيداً عن الاعتبارات الفئوية.
لتخفيف حدة الأزمة، يجب على دولتي المصب تسريع وتيرة الإصلاحات الداخلية الموازية في قطاع المياه، والتي تشمل التوسع في مشروعات التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتحديث أساليب وتقنيات الري وترشيد الاستهلاك، مع إصلاح شبكات المياه ومعالجة الفاقد.
التقييم العلمي المستقل والمراقبة اشارة الى ضرورة إجراء دراسات مستقلة وشفافة بقيادة خبراء محليين ودوليين لتقييم الآثار الفعلية للتشغيل على التدفقات والزراعة والبيئة، والمراقبة المستمرة لسلوك السد وتأثير الترسبات.
إن المصير المشترك لدول حوض النيل الأزرق يحتم التخلي عن الأحادية، والعمل بروح التعاون التي تؤسس إدارة مستدامة لمورد حيوي يمثل شريان حياة لملايين البشر.



