
في زمنٍ صار فيه بيع الأوطان صفقة تُدار خلف الأبواب المغلقة، وتُبرر بشعارات جوفاء عن الاستقرار والمصالح العليا، يحق لنا أن نستعيد حكمة شعبية من يبيع وطنه يفقد داره ويهرب حماره. عبارة تبدو ساخرة، لكنها تحمل من الحكمة ما لا تحمله خطابات الساسة.
الوطن ليس سلعة تُعرض في مزاد، ولا أرضاًتُقسّم حسب المصالح الإقليمية. الوطن هو الدار التي إن هُدمت، لا يبقى للساكنين سوى التشرد، والندم، والفراغ. ومن يفرّط فيه، لا يخسر فقط حدوده، بل يخسر كرامته، وتاريخه، وحتى أبسط ممتلكاته. فكم من مسؤول باع موقفه، ففقد منصبه، وكم من قائد باع شعبه، ففقد احترامه، وكم من تاجر سياسة باع وطنه، فهرب حتى حماره!
في السودان، حيث الحرب تلتهم المدن، والدماء تُسكب على تراب كان يوماً رمزاً للعزة، تظهر وجوه تتحدث عن الحلول السياسية، بينما تُوقّع في الخفاء على صفقات تقاسم النفوذ، وتُغلق الحدود أمام النازحين، وتفتحها أمام السلاح. هؤلاء لا يبيعون الوطن فقط، بل يبيعون ذاكرة الناس، ويشترون لأنفسهم وهماًاسمه النفوذ، بينما الحقيقة تقول إن من يبيع وطنه، لا يملك شيئاً يستحق أن يُحترم.
الساخر في الأمر أن من باع الوطن، لم يجد حتى مأوى يحتمي فيه. هرب من المدن السودانية ، ولم يبق له سوى الفنادق الرخيصة، والبيانات المكررة، والوعود التي لا تُصدّق. حتى حماره، ذاك الذي كان يركبه في أيام المجد الزائف، هرب منه، لأنه أدرك أن لا أحد يركب الكرامة ويعود سالماً.
الوطن لا يُباع، لأنه لا يُشترى. ومن يظن أن المال أو التحالفات أو المناصب يمكن أن تعوّض عن خيانة الأرض، فهو لا يفهم معنى أن تكون سودانياً.فالسودان ليس مجرد خريطة، بل هو وجوه الناس، ودموع الأمهات، وصبر الجنود، وحنين المغتربين، وهو الحمار الذي يعرف طريقه إلى البيت، حين يضيع صاحبه في دهاليز الخيانة.
فيا من بعتم الوطن، لا تبحثوا عن دار، ولا تنتظروا احتراماً، ولا تندهشوا إن هرب منكم حتى الحمار.
حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.


