
في السودان، لم تعدالسمسرة حكراً على العقارات أو السيارات،بل تسللت إلى قلب السياسة، حيث تحوّل بعض السياسيين إلى سماسرة يساومون على الوطن كما يُساوم على قطعة أرض في مزاد علني. هؤلاء لا يرون في السودان وطناً تُصان كرامته، بل صفقة تُعرض على الطاولة، ويُحدد ثمنها وفقاً لمصالحهم الضيقةومكاسبهم الشخصية. يا هؤلاءالسودان وطن ليس للبيع.
سماسرة السياسة لا يحملون همّ الشعب، ولا ينشغلون بمآسيه ،بل يتقنون فن التفاوض باسم الوطن، بينما يبيعونه قطعة قطعة لمن يدفع أكثر. يتنقلون بين العواصم، يطرقون أبواب السفارات، ويعرضون الولاء لمن يضمن لهم البقاء في المشهد، ولو على حساب السيادة والكرامة الوطنية. لا فرق عندهم بين أن تُدارالبلاد من الداخل أو تُدار بالريموت من الخارج، طالما أن الكرسي مضمون والامتيازات محفوظة.
هؤلاء لا يؤمنون بالثوابت، بل يتلونون مع كل مرحلة، يغيّرون خطابهم كما يغيّر السمسار لهجته بحسب الزبون. يرفعون شعارات الثورة حين تكون مربحة، ويعودون إلى أحضان الأنظمة القديمة حين تلوح لهم فرصة. لا يملكون مشروعاً وطنياً،بل يملكون قوائم أسعار، يحددون فيها من يُستبعد ومن يُقرّب، من يُتهم ومن يُبرّأ، وفقاً لحسابات السوق السياسي.
الخطير في سماسرةالسياسة أنهم لا يعملون في الخفاء،بل يتصدرون المشهد، يتحدثون باسم الشعب، ويصوغون القرارات التي تحدد مصير البلاد.يختطفون المنابر، ويحتكرون التمثيل، بينما يغيب صوت المواطن الحقيقي، ويُهمّش أصحاب المبادئ، ويُقصى من يرفض البيع.
في وطنٍ مثقل بالجراح، لا يحتاج السودان إلى مزيد من السماسرة، بل إلى رجال دولةإلى من يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، إلى من يؤمنون أن الوطن لا يُباع ولا يُشترى، وأن السياسة ليست سوقاً، بل مسؤولية وأمانة. فالسودان لايحتمل أن يُعرض في مزاد جديد، ولا أن يُدار بمنطق السمسرة، لأن الأوطان تُبنى بالصدق، لا بالمساومة. حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.



