مقالات

ناجي الكرشابي يكتب : “قحت” بين صداع الوطني وسرطان التمرد..!

ناجي

قبل بضع سنوات فقط، وتحديدًا في قلب الشوارع التي “حُشد” لها ضد نظام البشير، كان الهتاف يعلو من حناجر قوى سياسية سميت وقتها *قوى الحرية والتغيير: “قتلونا معروفين.. لوحاتهم ق د س!”

وأذكر تمامًا كيف كان “سلكهم”، في قمة هياجه الهستيري، يصرخ على منصة الاعتصام: “ما بنتحاور مع الجيش إلا لما يطلع الدعم السريع من الخرطوم!”

اليوم، وبعد أن أخرج بواسل الجيش مليشيا الدعم السريع من الخرطوم – بعد أن اغتصبت النساء، ومزّقت نسيج المدينة المجتمعي، ونهبت البنوك، ومرّت على المدن والقرى كما يمر الجراد على سنابل الزرع – ها هم أنفسهم يتحالفون معه!

ليس هذا فحسب، بل يخرج “جعفر سفارات” ليرفض تصنيف هذه المليشيا كمنظمة إرهابية، زاعمًا أن ذلك “لا يخدم مصلحة البلد”، وكأن كل انتهاكات التمرد التي ارتكبها لا تضر بالمصلحة الوطنية.

أي مهزلة تاريخية نعيش؟..وأي انقلاب أخلاقي وسياسي يجعل من قاتل الأمس حليف اليوم، ومن مؤسسة الجيش – التي اعتصموا أمام قيادتها – “عدوًا” يُهاجم آناء الليل واطراف النهار، بينما يُخطب ود من كانوا بالأمس أداة القتل والترويع؟!

تحالف “قحت”، الرديف السياسي لمليشيا الدعم السريع، ورأس الرمح في مشروع تفكيك السودان وتحويله لكيان تابع ومرتهن للخارج، يُصدرون بياناتهم لا دفاعًا عن المدنيين، بل للهجوم على خصومهم، ولا يطالبون بنزع سلاح المليشيا، بل بتجريم غريمهم السياسي.

يصفون الجيش بأنه “ذراع للإسلاميين”، ويعلمون يقينا أنه مؤسسة دولة، لا حزب، ويمتدحون التمرد، لأنه يقاتل لأجلهم، لا لأجل الوطن، يبرّرون الخراب، لأنه يفتح طريق العودة للسلطة فوق ركام المنازل المحروقة، ويتناسون أن من يتفاوضون معه اليوم هو من فض اعتصامهم بالأمس، هذا ليس مجرد خلل في الرؤية… إنها خيانة وطنية مكتملة الأركان.

يتشدقون بالعدالة، ويطالبون بتجريم الوطني والحركة الإسلامية بلا محاكمات، ولا مسارات عدلية، فقط بالرغبة في الاستئصال والإقصاء السياسي.

تأمّل أي قاع بلغته البجاحة السياسية حين يصبح حزب سياسي – له آلاف الأنصار وبنية تنظيمية معروفة – هو من يُطالبون بتجريمه وتصنيفه كـ”إرهابي”، بينما مليشيات من مرتزقة أجانب قتلت ونهبت واغتصبت، تصبح “طرفاً يستحق الحوار”!

نعم، حتى لو اعتبرنا المؤتمر الوطني مجرد “صداع سياسي”، فإن ما نواجهه اليوم هو سرطان خبيث اسمه التمرد المسلح.

الصداع السياسي يُعالج بالحوار، بالمحاسبة، بالإصلاح.

أما السرطان فلا يُسترضى… بل يُستأصل فورًا.

فهل من المنطق أن تترك النزيف وتلاحق الصداع؟

هل أصبح البيان السياسي أخطر من الذبح على الهوية؟

هل صارت الاجتماعات التنظيمية أكثر تهديداً من اقتحام البيوت واغتصاب النساء أمام أطفالهن؟!

إنه انقلاب كامل الدسم على القيم والمنطق، حيث يُكافأ القاتل ويُجرّم من اختلف معهم في الرأي.

نحن لا ندافع عن أحد، ولا نزكي جهة، ولكننا نتعجب ممن يتحالف مع المليشيات، ثم يطلب من العالم تصنيف خصمه السياسي كإرهابي…

أرجوكم لا تبنوا جسرًا من جثث الأبرياء إلى منافيكم، ولا ترفعوا رايات الكرامة فوق رأس من احتل الخرطوم، للعودة إلى السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى