
في عالم يضج بالصوت العالي والتصفيق للنجوم، هناك من يختار الكلمة سلاحاً، والحقيقة درباً، بعيداً عن الأضواء الزائفة. ود فرح كان أحد هؤلاء القلائل الذين آمنوا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة تستحق التضحية.
ود فرح الصحفي الذي لم يهادن،منذ بداياته، لم يكن صحفياً تقليدياً يلاحق الأخبار العابرة، بل كان يبحث عن المعنى العميق وراء كل عنوان. قادته مبادئه إلى ساحات النضال، حيث وقف شاهداً على حرب الكرامة، موثقاً آلام الجنود، وكاشفاً للحقيقة التي حاول الكثيرون طمسها.
لم يكن عمله سهلاً، لكنه لم يبحث عن المكافآت، ولم ينتظر الثناء، بل كان مؤمناً أن الكلمة الحرة هي أعظم تكريم يمكن أن يناله الإنسان.
رغم أدواره الجوهرية في كشف المستور ونقل الواقع كما هو، لم يجد ود فرح اهتماماًمن الدولة كما يُمنح لبعض المشاهير. لم يكن يملك القصور الفارهة أو السيارات الفخمة، لكنه امتلك شيئاً أعظم احترام الناس الذين قرأوا كلماته واستشعروا صدقه.
حتى حين سادت ثقافة الاحتفاء بالسطحي والمُزيَّف، ظل ود فرح شامخاً، يكتب لا ليحظى بالإعجاب، بل ليحرك العقول ويوقظ الضمائر النائمة.
هل يبقى الصوت بلا صدى؟
قصته ليست مجرد حكاية شخصية، بل هي انعكاس لحال الإعلاميين الوطنيين في السودان. أولئك الذين يقفون في الصفوف الأمامية للحقيقة دون أن يُمنحوا الدعم الذي يستحقونه.
لكن ود فرح، رغم كل التجاهل، لم يتوقف. لأنه كان يعلم أن التاريخ لا يكتبه أصحاب المصالح، بل يُصاغ بحروف من نور، يخطها أصحاب المبادئ الذين لا يخشون العواقب.
في زمن مليء بالضجيج، يظل ود فرح رمزاً لذلك الصوت النقي الذي، وإن خفت، لا يموت.حفظ الله السودان وشعبه.

