
فجر السودان :
ناجي الكرشابي يكتب…
*بين ربعي سراج.. والحاسدين..!؟
يُحكى أن الناظر منعم منصور دعا المفتش الإنجليزي مستر بيتر إلى حفلة شاي في أواخر عهد الاستعمار، فقال له المفتش فيما قال أثناء الحديث، إن هناك كومة ضخمة من التقارير الكيدية والخطابات السرية التي كان الموظفون السودانيون والوجهاء يذمّ بعضهم بعضاً فيها، ثم قال له: «انظر يا شيخ العرب إلى ما يكتبه أهلك وعشيرتك ضد بعضهم البعض من كيد السوء والوشايات!».
تذكرت هذه الحكاية التي أوردها الدبلوماسي الراحل إبراهيم منعم منصور في مذكراته، وأنا أتابع بعض ما يدور في ساحاتنا هذه الأيام، وأتأمل واحدة من أسوأ خصالنا التي لا تزال تعيق تقدم بلادنا.
وأكاد أجزم أن ذلك أحد أسباب تخلفنا عن ركب الأمم التي تطورت وبلغت آفاقاً بعيدة ووصلت القمر «عديل كده» بينما لا نزال نغوص في مستنقعات الخصومات الصغيرة وحظوظ النفس الأمارة. بدلاً من أن نفتح الطريق أمام الكفاءات الوطنية ونحتفي بنجاحها نجد من يسعى إلى تعطيلها ومحاصرتها، وقد يصل به الأمر إلى مناصرة الأعداء البائنين نكاية في خصومه من بني جلدته. ولعل مواقف حمدوك وحميدتي وخالد سلك وعرمان وغيرهم تقدم شواهد والدلائل بالكوم وعلى قفا من يشيل! حتى بتنا نتراجع في كثير من المجالات.
وتذكرت هذه الحكاية أيضاً وأنا أطالع تعليقات البعض على حلقات «السودان بودكاست»، الذي يقدمه الشاب الخلوق والمحترم والمجتهد ربعي سراج، والذي حاور فيه معظم قادة النادي السياسي السوداني المعطوب هذا، خاصة حلقته الأخيرة مع مولانا أحمد هارون. وهي حلقة لست بصدد التعليق على ما ورد فيها، وإن كان الحديث عنها ذو شجون!
ما لفت انتباهي حقاً هو ذلك السيل من التعليقات السلبية التي تجاوزت مناقشة المحتوى وتقييم ما يقدمه الزميل ربعي، إلى التشكيك في نجاحه والحديث عن جهات داخلية وخارجية تقف وراءه وتدعمه. وهي اتهامات لا أرى فيها سوى محاولة للتقليل من جهد شاب اختار أن يشق طريقه بالعمل والاجتهاد والمثابرة.
لقد كنت متابعاً لمسيرة ربعي عن كثب وشاهدا على بداياتها وأعرف حجم التحديات التي واجهها. وأعرف كذلك أنه طرق أبواب عدد من الأسماء اللامعة باحثاً عن دعم فني أو إرشاد أو توجيه، لكنه لم يحصد من معظم تلك المحاولات سوى السراب. فليس كل ما يلمع ذهباً وليس كل من تصدّر المشهد يملك بالضرورة ما يقدمه للآخرين.
وأذكر أنني قلت له وقتها: إذا أردت أن تنجح فابتعد عن هؤلاء. وقد فعل؛ شق طريقه وحده وشبّ عن الطوق، حتى حقق هذا النجاح اللافت وحجز لنفسه مقعداً بين الكبار بجهده وإصراره.
وما زاد قناعتي رسوخاً ما شهدته وقد كشفت لي هذه الواقعة وغيرها أن بعض الأسماء التي اعتدنا النظر إليها باعتبارها من كبار القوم، لا تملك من الكِبر إلا العمر والألقاب والمواقع؛ إذ تضيق صدورها أمام نجاح الآخرين، وتتحول مواقفها إلى مزيج من الحسد والنفاق فتطعن في الناجح من خلف ظهره وتنهال عليه بألسنة حداد، لا لشيء سوى أنه استطاع أن يحقق ما عجزت هي عن تحقيقه.
وهنا تكمن المعضلة؛ فبعضنا لا يريد أن يرى غيره ناجحاً وإذا عجز عن مجاراته حاول أن يجرّه إلى الأسفل، وكأن النجاح في بلادنا جريمة تستوجب العقاب!
عزيزي ربعي، امضِ في طريقك ولا تلتفت إلى ضجيج هؤلاء ولا تسمح لأحد أن يستدرجك إلى القاع الذي اختاروا الإقامة فيه. واصل عملك وطوّر تجربتك واجعل نجاحك هو الرد الأبلغ على كل محاولات التشكيك والتقليل.
فالأوطان لا تتقدم بتكسير أجنحة الناجحين، ولا بإغراقهم في مستنقعات الوشايات والخصومات والحسد وإنما ترتقي حين يصبح نجاح أحد أبنائها مصدر فخر وإلهام للآخرين لا سبباً في اشتعال الغيرة والعداء… مودتي التي تعلم.



