الشهيد العميد الركن الهادي حمدنا الله البشير .. رجلٌ عاش في صمتٍ ومضى في صمتٍ
دكتور : جاد الله فضل المولي

إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإن النفس لتتقطع ألماً وحسرةً، ونحن نكتب عن رجلٍ لم يكن عادياً، وعن قائدٍ لم يكن عادياً، وعن شهيدٍ لم يكن عادياً، نكتب عن الشهيد العميد الركن الهادي، الذي رحل عن دنيانا رحيلاً موجعاً، رحل الجسد، وبقيت السيرة شاهدةً على رجلٍ عاش في صمتٍ، ومضى في صمتٍ، وترك خلفه أثراً من الطيب والوفاء لا يُمحى.
كان رجلاً تقياً، خفياً، ندي السيرة، سمح المعشر، لا يبحث عن الأضواء ولا يتصدر المجالس، لكن حضوره كان يسبق كلماته، وأثره يبقى في النفوس، كان إذا دخل مجلساً، دخل بهدوءٍ، وإذا تكلم، تكلم بحكمةٍ، وإذا غاب، افتقده الجميع افتقاداً مراً، فهو من الرجال الذين لا يعرفون الصخب، ولا يعرفون الضجيج، ولا يعرفون حب الظهور، بل يعرفون الله، ويعرفون الواجب، ويعرفون أن العمل الصامت أبقى من الكلام العالي.
ظل مرابطاً في المهندسين، مدافعاً عن جبهتها الجنوبية، صابراً على مشاق الحصار، ثابتاً في موقعه ثبات الجبال، حين كان الحصار يشتد، وحين كان الجوع يشتد، وحين كان القصف يشتد، وحين كان الموت قريباً من كل أحدٍ، ظل هو ثابتاً، لا يتزحزح، ولا يتراجع، ولا يشتكي، بل كان يثبت من حوله، ويصبر من حوله، ويقول لهم إن النصر قادمٌ، وإن الفرج قريبٌ، وإن الله مع الصابرين.
وحين تطهرت أم درمان، وحين تنفس الناس الصعداء، وحين ظن كثيرٌ من الناس أن الحرب قد انتهت، اختار بمحض إرادته أن يمضي إلى كردفان، مواصلاً طريقه الذي لم يعرف التراجع، اختار أن لا يركن إلى الراحة، واختار أن لا يجلس في بيته، واختار أن لا يستمتع بالنصر، بل اختار أن يمضي إلى حيث الخطر أشد، وحيث المعركة أعنف، وحيث الحاجة إليه أكبر، لأنه كان يعلم أن الجهاد لا ينتهي بتحرير مدينةٍ، وأن الواجب لا ينتهي بعودة الأمان إلى حيٍ، وأن الشهادة لا تُنال بالجلوس، بل تُنال بالمضي قدماً.
كان ظاهر الإشراق، واضح المحيا، هاشاً باشاً، تراه متنقلاً بين موائد القرآن ومجالس العلم، يجمع بين صرامة القائد وسكينة العابد، وبين واجب الجندية ونبل الخلق، كان إذا رأيته في الميدان، رأيت قائداً صارماً لا يعرف المجاملة في الحق، وإذا رأيته في المسجد، رأيت عابداً خاشعاً لا يعرف إلا الله، وإذا رأيته بين جنوده، رأيت أباً حنوناً، وإذا رأيته بين أهله، رأيت رجلاً متواضعاً كريماً، فسبحان من جمع فيه كل هذه الصفات في رجلٍ واحدٍ.
كم هو موجعٌ أن نكتب عنه بصيغة الماضي، كم هو موجعٌ أن نقول كان، وقد كان بيننا بالأمس القريب، يمشي بيننا، ويبتسم لنا، ويصافحنا، ويدعو لنا، كم هو موجعٌ أن نفتقد وجهه الوضيء، وأن نفتقد ابتسامته الصادقة، وأن نفتقد صوته الهادئ، وأن نفتقد مجالسه التي كانت تفيض إيماناً ونوراً، لقد رحل، ورحل معه جزءٌ من قلوبنا، ورحل معه جزءٌ من أرواحنا، ورحل معه جزءٌ من ذاكرتنا التي لن تنساه ما حيينا.
لقد رحل الهادي، وترك خلفه فراغاً كبيراً لا يسده أحدٌ، وفراغاً في قلوب رفاق دربه، وفراغاً في قلوب أهله وأبنائه، ولكن عزاؤنا أنه لم يمت ميتةً عاديةً، بل مات ميتةً يتمناها كل مؤمنٍ صادقٍ، مات شهيداً، مات مرابطاً، مات مدافعاً عن الأرض والعرض والدين، مات وهو يحمل سلاحه، ويحمل مصحفه، ويحمل قلبه النقي، فهنيئاً له الشهادة، وهنيئاً له الجنة، وهنيئاً له جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أيها الشهيد الحبيب، يا أبا الخلق الطيب، لقد عشت تقياً، ومت تقياً، وعشت خفياً، ومت خفياً، وعشت ندي السيرة، ومت ندي السيرة، وما أعظم أن يموت الإنسان وهو نقي السيرة والسريره، طيب الذكر، محبوبٌ عند الناس، محبوبٌ عند الله، فالناس تشهد لك، والرفاق يشهدون لك، والأرض تشهد لك، والسماء تشهد لك، بأنك كنت صادقاً، وكنت أميناً، وكنت شجاعاً، وكنت كريماً.
إننا نبكيك اليوم بكاءً مراً، نبكيك لأننا فقدنا قائداً، وفقدنا أخاً، وفقدنا أباً، وفقدنا سنداً، نبكيك لأن اخوانك فقدو أحد الابطال ، ولأن كردفان فقدت أحد فرسانها، ولأن السودان فقد أحد رجاله الأوفياء، نبكيك لأننا نعلم أن مثلك لا يتكرر كثيراً، وأن الرجال من طينتك قليلون في هذا الزمان، زمانٌ كثر فيه الكلام وقل فيه العمل، وكثر فيه الادعاء وقل فيه الصدق، فكنت أنت الاستثناء الجميل، وكنت أنت النور في وسط الظلام.
ولكننا رغم الحزن، ورغم الدموع، ورغم الوجع، نقول الحمد لله الذي اختارك شهيداً، والحمد لله الذي رفع درجتك، والحمد لله الذي جعلك من المهديين، فالشهادة ليست موتاً، بل هي حياةٌ، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فأنت حيٌ عند ربك، حيٌ في قلوبنا، حيٌ في سيرتك، حيٌ في أثرك، حيٌ في دعائنا لك ليلاً ونهاراً.
نسأل الله أن يتقبلك شهيدا، وأن يرفع درجتك في المهديين، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يلهم أهلك ورفاق دربك الصبر والسلوان، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
تقبلك الله يا أبا الخلق الطيب، وأسكنك فسيح جناته، وجعل البركة في أبنائك وأهلك ورفاقك، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فالحزن في القلب كبيرٌ، والدمع في العين غزيرٌ، ولكننا صابرون محتسبون، وموقنون أن الحق منتصرٌ، وأن دماء الشهداء لن تذهب هدراً، وأن السودان سينتصر بدمائكم الطاهرة،وبأرواحكم
الزكية، وبسيرتكم العطرة.


