مقالات

الدولار يطرق سقف العشرة آلاف.. قصة جنيه مات منذ الديمقراطية الثالثة بلا كفن

بقلم : توفيق البدري عكاشة (ابو ليمار)

ليس الخبر أن الدولار وصل عشرة آلاف جنيه سوداني.. الخبر أننا توقعناه.. وانتظرناه.. ومشينا إليه بأرجلنا منذ أربعين عاما.. كأننا في متوالية هندسية لا تعرف التوقف.. كل رقم يلد رقما أكبر منه.. وكل حكومة تدفن الجنيه بيد الحكومة التي قبلها.

سقف العشرة آلاف ليس سقفا للسوق.. هو سقف لصبر الناس.. وسقف لكرامة العملة الوطنية.. وهناك فوق هذا السقف لا يوجد سقف آخر.. يوجد فراغ.

تعالوا نقلب الدفاتر القديمة.. من دفتر الديمقراطية الثالثة.. حكومة الصادق المهدي 1986.. التي استلمنا فيها الجنيه وهو يحتضر.

كان الدولار في 1984 بجنيه وثلاثين قرشا.. وفي نهاية 86 قفز إلى أربعة جنيهات وتسعين قرشا.. بعد خفض رسمي بنسبة ثمان وأربعين في المئة.. وفي العام التالي خفض آخر بنسبة خمس وأربعين في المئة.. وفي ثمانية وثمانين خفض ثالث بنسبة اثنين وستين في المئة.. كنا نعالج النزيف بفتح شرايين جديدة.. ومن يومها ولدت السوق السوداء رسميا.. ولد سوق الدولار في جيوب التجار عام تسعة وسبعين.. وترعرع في ثمانينيات القرن الماضي.

جاءت حكومة الإنقاذ.. وقالت الإصلاح الاقتصادي.. وبدأت حزمة تحرير.. بين تسعين وستة وتسعين سقط الجنيه سقوطا حرا.. فاخترعنا الدينار.. قلنا نحذف صفرا ونستر عورتنا.. الدينار يساوي عشرة جنيهات.. ثم الجنيه الجديد عام ألفين وسبعة يساوي مئة دينار.. أي ألف جنيه قديم.. فمن كان يملك مليونا أصبح يملك ألف جنيه جديد.. ضحكنا على الأرقام ولم نضحك على المرض.

من ألفين وسبعة حتى ألفين وعشرة كان الجنيه مستورا.. الدولار بجنيهين واربعين قرشا.. النفط يضخ.. الجنوب موجود.. ثم وقعت الطامة الكبرى.. انفصال الجنوب في ألفين واحد عشر.. ذهب خمسة وسبعون في المئة من النفط.. وخمسة وستون في المئة من النقد الأجنبي.. وبقي الجنيه وحيدا في الخرطوم يبكي نفطه.

من بعدها بدأت المتوالية الحقيقية.. الدولار من خمسة جنيهات إلى خمسين.. إلى خمسمئة.. التعويم في عشرين واحد وعشرين قيل أنه الحل.. فقفز من خمسمئة إلى ألفي جنيه.. والحرب جاءت في ثلاثة وعشرين.. فقفز من ألفي جنيه إلى ثلاثة آلاف ومئتين وخمسين في يوليو خمسة وعشرين.. بزيادة تفوق أربعمئة وثمانية وتسعين في المئة في سبعة وعشرين شهرا فقط.. واليوم.. أكتوبر ستة وعشرين.. ونحن نكتب هذا المقال والدولار يطرق باب العشرة آلاف في عطبرة ودنقلا ووادي حلفا.. في السوق الموازي.. بينما بنك السودان يكتب في لوحته مبلغا دون الخمسة الف جنيها.. كأنه يكتب من كوكب آخر.

ما الذي جعل الصعود متوالية هندسية.. لا حسابية.. الجواب ليس في بنك السودان.. الجواب في طبائعنا الاقتصادية.

نحن نطبع جنيهات بلا غطاء.. نغطي عجز الموازنة بالاستدانة من الجهاز المصرفي.. فالتضخم عندنا أعلى من تضخم شركائنا التجاريين.. فنستورد أكثر مما نصدر.. فاتورة الواردات من مئة وثمانية عشر مليونا في سبعينيات القرن إلى مئتين وخمسين مليونا في خمسة وسبعين.. والعجز في الحساب الجاري من تسعة عشر مليونا إلى مئة وخمسين.. فنقترض بالدولار.. خدمة الدين من سبعة عشر في المئة إلى سبعة وعشرين.. هذه هي الحلقة.. طباعة.. تضخم.. استيراد.. عجز.. ديون.. خفض للجنيه.. ثم نعيد الطباعة من جديد.

كل الحكومات فعلت ذلك.. ديمقراطية ثالثة.. إنقاذ.. انتقالية.. حرب.. نفس الكتاب.. يختلف الغلاف فقط.

وما هي أسهم الصعود وأين تعثر الهبوط.. أسهم الصعود معروفة.. عجز الموازنة المزمن.. تمويله بالطباعة.. فقدان الصادرات.. ذهب يهرب.. سمسم يهرب.. سيطرة المسلحين على حقول النفط كحقل هجليج.. غياب البنك المركزي عن التدخل.. توقف تحويلات المغتربين.. ثقة منعدمة في النظام المصرفي.. أما منعطفات الهبوط النادرة.. فكانت لحظات صدق.. اتفاق مع صندوق النقد عام سبعة وتسعين بسعر الصرف الزاحف.. أو طفرة النفط بين ألفين وثمانية حتى ألفين واحد عشر.. أو تدفق ودائع خليجية.. لكنها كانت مسكنات.. لا علاج.

كيف نخرج من المتوالية الهندسية.. الخروج لا يكون بحملات أمنية على تجار العملة.. فتجار العملة هم عرض المرض.. وليسوا المرض.. والخروج لا يكون بتثبيت السعر في لوحة البنك المركزي بينما السوق يضحك عليها.

الخروج يحتاج أن نغور في العمق.

أولا.. أن نوقف طباعة الجنيه لتمويل الحكومة.. قانون يمنع البنك المركزي من إقراض الحكومة إلا بنسبة محددة.. استقلال حقيقي للبنك المركزي.. كما استقل القضاء.

ثانيا.. أن نعيد تعريف مواردنا.. السودان لا يصدر دولارا.. يصدر ذهبا يهرب.. الحل ليس في منع التهريب أمنيا.. بل في شراء الذهب بسعر السوق العالمي والدفع فورا للمعدنين.. عبر بورصة ذهب في عطبرة وأبو حمد ووادي حلفا.. حيث الذهب.. لا في الخرطوم حيث السماسرة.

ثالثا.. تحويلات المغتربين هي نفطنا الجديد.. المغترب لا يحول لأنه وطني فقط.. يحول لأنه يثق.. أعطه سعرا مجزيا.. أعطه أرضا.. أعطه إعفاء جمركيا.. وسيحول لك خمسة مليارات دولار سنويا.. تكفي لوقف المتوالية.

رابعا.. وقف الحرب هو الإصلاح الاقتصادي الأول.. لا إصلاح مع حرب.. لا جنيه مع رصاص.. كل دولار نطلقه في الحرب.. نطبعه على شكل تضخم في جيوب الناس.. الحرب وحدها رفعت الدولار من ستمئة جنيه إلى عشرة آلاف في ثلاث سنوات.

وأخيرا.. الإنتاج.. الإنتاج.. الإنتاج.. قمح الشمالية.. سمسم القضارف.. صمغ كردفان.. مواشي دارفور.. لا حل بلا مزارع ومصانع.. لا حل بلا أن يعود مشروع الجزيرة يزرع قطنا.. لا بلا أن تعود بورتسودان تصدر.

الدولار لم يصل عشرة آلاف لأن أمريكا قوية.. وصل عشرة آلاف لأننا ضعفنا.. ولأننا منذ حكومة الديمقراطية الثالثة وحتى اليوم.. ونحن نداوي الجرح بالملح.. نطبع الورق لنغطي الورق.

الجنيه لا يموت في البنك.. الجنيه يموت في الحقل حين لا نزرع.. ويموت في المنجم حين لا ننظم.. ويموت في المطار حين لا يثق المغترب.

من بحيرة النوبة ” السمحة شديد.. ” حيث يرقد النيل بعد رحلة طويلة من الخرطوم.. أقول.. إن أردتم أن ينخفض الدولار.. فلا تطاردوا الدولار.. طاردوا أسباب ضعفه.. أوقفوا الطباعة.. وأعيدوا للجنيه شرفه.. وهو أن يكون ثمرة عرق.. لا ثمرة ماكينة طباعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى