
إن الحزن الذي يعتصر القلوب اليوم على أبنائنا شهداء التعدين، والذين نحسبهم عند الله شهداء ولا نزكي على الله أحداً، هو حزن مشروع ومفهوم، وردة الفعل الغاضبة التي صدرت من أسرهم الكريمة هي ردة فعل طبيعية يفرضها الدم ويمليها الوجع، فالدم ليس ماءً، وفقدان الابن في غياهب الصحراء بحثاً عن لقمة شريفة ليس حدثاً عابراً يمكن تجاوزه ببيان بارد. ولكن من بين ركام هذا الحزن، ومن بين دموع الأمهات الثكالى، تبرز مسؤولية أكبر وأخطر، وهي مسؤولية الوطن كله في كيفية إدارة هذا الجرح حتى لا يتحول إلى خنجر في خاصرة السودان.
إن ما حدث يحتاج إلى الحكمة لا إلى الحماسة، وإلى التعقل لا إلى التهور، وإلى صوت العقل لا إلى صراخ العاطفة. فالدولة السودانية، مشكورة، لم تقف متفرجة، بل سارعت إلى تشكيل لجنة على أعلى المستويات للتحقيق في ملابسات ما جرى، وهذا هو المسلك القانوني والدستوري السليم. فواجبنا اليوم كشعب سوداني واعٍ، وكإعلام مسؤول، وكمواطنين شرفاء، أن نترك هذه اللجنة تعمل، وأن ننتظر ما سيسفر عنه التحقيق بكل شفافية وتجرد، وألا نصدر الأحكام المسبقة، وألا ننجر خلف الشائعات التي تذكيها الغرف المظلمة.
فهناك حقيقة يجب أن لا تغيب عن بال كل سوداني حصيف، وهي أن أعداء السودان يتربصون به من كل جانب، ويتمنون له السقوط في كل حفرة، وهم اليوم يجدون في هذه الحادثة الأليمة فرصة ذهبية لتمرير أجندتهم الخبيثة. إن هدفهم واضح وضوح الشمس، يريدون أن يصطدم السودان بمصر، يريدون أن يزرعوا الفتنة بين شعبين شقيقين تجمعهما أكثر من مجرد الجغرافيا، تجمعهما وحدة الدم والمصير والتاريخ والنيل.
إن هؤلاء الأعداء يعلمون تماماً أن قوة السودان في عمقه المصري، وقوة مصر في عمقها السوداني، فإذا ما نجحوا في كسر هذه العلاقة، فإنهم يكونون قد وجهوا ضربة قاصمة لقلب الأمة العربية بأسرها. ولهذا فهم يصبون الزيت على النار، ويؤلفون القصص، ويفبركون الفيديوهات، ويدفعون بسفهاء القوم ليسبوا مصر وشعبها، ويدفعون بسفهاء من الطرف الآخر ليسبوا السودان وشعبه، والنتيجة فتنة لا تبقي ولا تذر.
يا أبناء السودان، يجب أن نكون أكثر وعياً من أن نسقط في هذا الفخ. فمصر، شعباً وحكومة، لها فضل على السودانيين لا ينكره إلا جاحد، فقد فتحت أبوابها وقلبها لأكثر من مليوني مهاجر سوداني في أحلك ظروف الحرب، آوتهم وأطعمتهم وأسكنتهم وشاركتهم لقمة العيش، ولم نسمع يوماً أن مصر قد ضاقت بأهل السودان. وهذا فضل يجب أن يحفظ ولا ينكر. وللسودان أيضاً فضل على مصر، فضل الجار والأخ والسند التاريخي، فضل الدماء التي امتزجت في حرب أكتوبر وفي كل معارك الأمة.
إن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة ليست علاقة نظامين سياسيين يمكن أن تتبدل بتبدل الحكومات، بل هي علاقة شعبين متجذرين في أعماق التاريخ، ومن يريد أن يهدمها بحادثة معزولة، مهما كانت مؤلمة، إنما هو يخدم العدو الصهيوني والمتربصين بالمنطقة.
فلنفوت الفرصة على أعداء السودان، ولنقف صفاً واحداً خلف لجنة التحقيق، ولنطالب بالقصاص العادل إن ثبت أن هناك جرماً قد ارتكب، فدماء أبنائنا غالية ولا يمكن التفريط فيها، ولكن لنطالب بهذا القصاص من خلال القنوات الرسمية والقانونية والدبلوماسية التي تحفظ للسودان هيبته، وتحفظ لمصر مكانتها، وتقطع الطريق على كل من يريد أن يصطاد في الماء العكر.



