كابتن طيار عادل المفتي يكتب : من جوبا بدأت الحكاية.. كيف أعاد السفير عصام كرار نبض الدبلوماسية السودانية إلى الواجهة؟

من حق الشعب أن يعرف
جوبا (١) من (٢)
لم ينفصل جنوب السودان عن السودان يوم التاسع من يوليو ٢٠١١؛ الذي انفصل يومها كان خطًا على الخريطة، أما التاريخ فلم ينفصل، والدم لم ينفصل، والقبائل لم تنفصل، والذكريات لم تنفصل.
بعض الخرائط تُرسم بالحبر، أما خريطة السودان فقد كُتبت لقرون في الأرض والناس والعلاقات، ولذلك لم أستطع أن أتعامل مع الانفصال باعتباره مجرد تغيير في الحدود. بقي في ذاكرتي موقفان لا أستطيع أن أنساهما؛ الأول في ذاك التاريخ كنت على متن الرحلة رقم 310 للخطوط الجوية السودانية المتجهة إلى جوبا، بتاريخ ٧ يوليو ٢٠١١ م كآخر رحلة داخلية قبل أن تصبح جوبا عاصمة دولة أخرى، في اليوم الذي يليه ، لتكون نفس الرحلة يطلق عليها رحلة دولية فكتبت قصة عن هذه الرحلة وانفصال الجنوب في كتابي الأخير بعنوان الرحلة الأخيرة الي جوبا السودان .
منذ ذلك اليوم، ظل السؤال يطاردني: هل تستطيع الحدود السياسية أن تفعل ما عجز عنه التاريخ؟ وهل يمكن لبلدين نشآ من رحم واحد أن يعيش كل منهما بعيدًا عن أزمات الآخر؟
لقد آمنت دائمًا أن السلام في جنوب السودان لا يمكن أن يكتمل من دون سلام في السودان، وأن فشل أحدهما لن يتوقف عند حدوده. وربما يأتي يوم يدرك فيه الطرفان أن ما فرّقته السياسة يمكن أن تجمعه مصلحة الشعوب، وأن المستقبل قد لا يكون في العودة إلى الماضي كما كان، وإنما في صيغة جديدة تحفظ لكل طرف كيانه، وتعيد للبلدين ما يجمعهما، حتى لو كان ذلك اتحادًا كونفدراليًا ، في يوم ما.
كتبتُ الأسبوع الماضي بحسرة عن علاقات السودان مع جنوب السودان، وطرحتُ تساؤلات حول ما يلزم للتحقيق في الاتهامات المتداولة. وما يجب أن يكون ، لكن بعد أن وصلتني معلومات موثوقة من مصدر مسؤول، أدركتُ أنني استعجلتُ في الحكم قبل أن أسأل السفارة السودانية في جنوب السودان عمّا قامت به. وما عرفته بعد ذلك يستحق أن أنشره ويعرفه الشعب السوداني .
ومن جوبا، تبدو قصة مختلفة؛ قصة سفير وسفارة اختارت أن تتحرك في أكثر من اتجاه، وأن تحول العلاقات التاريخية بين السودان وجنوب السودان إلى حراك سياسي ودبلوماسي ملموس.
في قلب هذا الحراك المهم الذي خذله الإعلام ، يقف السفير الفريق عصام كرار، سفير جمهورية السودان لدى جمهورية جنوب السودان، الذي قاد خلال الفترة الماضية نشاطاً دبلوماسياً واسعاً، جعل من السفارة منصة للحوار والتنسيق والتواصل بين الخرطوم وجوبا عندما دب الخلاف وبدأت الشكوك وصرح الإعلام وتدخل السفير .
عندما عادت الزيارات الكبرى من جديد بعد الحرب
كان أبرز مشاهد الحراك زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة إلى جنوب السودان مرتين، خلال الفترة السابقة ، وسط استقبال رسمي رفيع المستوى.
ولم تكن تلك الزيارات مجرد مناسبات بروتوكولية، فقد فتحت الباب أمام سلسلة من الاتصالات والزيارات المتبادلة بين البلدين، وأعادت الحرارة إلى خطوط التواصل السياسي.
كما شهدت جوبا زيارات متعددة لنائب رئيس مجلس السيادة، الفريق مالك عقار، ذو العلاقات الممتازة مع زملاء النضال القديم وقيادات جنوب السودان ، الذي التقى عدداً من الوزراء وقادة الأجهزة الأمنية والشرطة والقوات المسلحة في جنوب السودان.
وفي الاتجاه الآخر، تحركت جوبا نحو الخرطوم.
زار وزير خارجية جنوب السودان على رأس وفد ضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية ووزارة النفط وشركات النفط، ثم جاءت زيارة مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية، الفريق أول توت قلواك، على رأس وفد ضم وزراء الخارجية والنفط ومديري الأجهزة الأمنية وممثلي شركات النفط.
وكانت الزيارة محطة مهمة، باعتبارها أول وفد رسمي رفيع المستوى من جوبا يصل مباشرة إلى الخرطوم خلال تلك الفترة.
دبلوماسية لا تتوقف عند السياسة
لم يكن الحراك مقتصراً على كبار المسؤولين.
فالسفارة حافظت على اتصالات واسعة مع وزراء حكومة جنوب السودان ونواب الرئيس والمستشارين، كما عززت حضورها داخل المجتمع الدبلوماسي في جوبا من خلال المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، والإيقاد، والسفراء الأفارقة، ومكتب جامعة الدول العربية، إلى جانب المشاركة في المناسبات الرسمية والأعياد الوطنية.
لكن الأهم أن هذه الحركة الدبلوماسية بدأت تتحول إلى مؤسسات ولجان وآليات عمل مشتركة.
فقد تم تفعيل اللجنة السياسية الأمنية المشتركة بين البلدين، كما جرى العمل على تفعيل اللجنة السياسية بين وزارتي الخارجية، واللجنة الوزارية المشتركة على مستوى وزارتي الداخلية، إلى جانب اللجنة الاقتصادية المشتركة.
وهنا تحديداً تتضح قيمة العمل الدبلوماسي؛ فالنجاح ليس في عقد الاجتماع، وإنما في تحويل الاجتماع إلى آلية تستمر بعد مغادرة الوفود.
موقف جنوب السودان.. ورسالة الخرطوم
ومن الملفات المهمه جدا ، التي عملت السفارة على إبرازها الموقف الداعم لسيادة السودان ووحدته، ورفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو الاعتراف بأي حكومة موازية.
وفي ظل الظروف التي يمر بها السودان، اكتسب هذا الملف أهمية خاصة، وأصبحت الاتصالات المباشرة بين قيادتي البلدين ضرورة سياسية وأمنية وليست مجرد مجاملة دبلوماسية.
وهكذا، لم تعد جوبا بالنسبة للخرطوم مجرد عاصمة دولة جارة، بل تحولت إلى مساحة واسعة للحوار حول الأمن والنفط والحدود والمصالح المشتركة ومستقبل العلاقة بين الشعبين.
لكن السؤال الأهم:
ماذا حدث عندما انتقلت هذه الدبلوماسية من مكاتب السياسة إلى ملفات الأمن والنفط والاقتصاد؟
هناك، في هجليج تحديداً، تبدأ قصة أخرى أكثر حساسية، حيث تتقاطع السياسة مع الأمن، ويتحول التعاون بين البلدين إلى مصالح استراتيجية على الأرض.
«هجليج والنفط والاقتصاد.. عندما تتحول الدبلوماسية إلى مصالح مشتركة»
إذا كان ماذكرت سابقا قد كشف كيف تحركت الدبلوماسية السودانية من قاعات الاجتماعات إلى الزيارات واللجان، فإن الوجه الآخر للقصة يظهر في الملفات التي لا تحتمل كثيراً من الشعارات: الأمن والنفط والاقتصاد.
وهنا أيضاً يبرز اسم الفريق السفير عصام كرار، سفير السودان لدى جمهورية جنوب السودان، مرة أخري السفير الذي عمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين مؤسسات البلدين، في ملفات تمس المصالح الاستراتيجية المباشرة للسودان وجنوب السودان.
اللجنة السياسية الأمنية.. من الانتظار إلى الانعقاد
من أبرز المحطات تفعيل اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية المشتركة بين البلدين، برئاسة وزيري الدفاع وعضوية الجهات السياسية والأمنية والشرطية.
اللجنة التي كان متوقعاً أن تعقد اجتماعاتها منذ عام 2023، عادت إلى مسارها، وعُقد اجتماع في أغسطس، مع ترتيبات لعقد الاجتماع التالي في أكتوبر.
ولا تكمن أهمية هذه اللجنة في انعقادها فحسب، بل في طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه. فتفعيلها ينقل العلاقة بين الخرطوم وجوبا من الاتصالات الظرفية إلى تنسيق مؤسسي منتظم، يتيح معالجة القضايا الأمنية عبر قنوات رسمية مباشرة، ويقلل من مخاطر سوء الفهم والتقديرات المتباينة.
كما أن جمع وزارتي الدفاع والأجهزة الأمنية والشرطة في إطار واحد يساعد على توحيد الرؤية بشأن أمن الحدود، وحركة القوات، ومكافحة التهريب، وحماية المنشآت الحيوية، والتعامل مع الجماعات المسلحة. وبذلك تصبح اللجنة أداة للوقاية من الأزمات، لا مجرد منصة لبحثها بعد وقوعها.
هجليج.. المصالح التي تجمع البلدين
في ملف النفط، تبدو العلاقة أكثر وضوحاً.
فحقول هجليج ليست مجرد منشأة نفطية؛ إنها جزء من شبكة مصالح استراتيجية ترتبط باقتصاد البلدين وأمنهما. ومن هنا جاء التنسيق بين القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان في جنوب السودان لتأمين وحماية حقول هجليج، في وقت يشارك فيه المهندسون والفنيون السودانيون في عمليات التشغيل.
المعادلة هنا بسيطة: الأمن يحتاج إلى تنسيق، والنفط يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى تفاهم سياسي بين البلدين.
وتفعيل اللجان المشتركة يمنح هذا التعاون غطاءً مؤسسياً، ويتيح الانتقال من الترتيبات الميدانية المؤقتة إلى آليات أكثر وضوحاً لتحديد المسؤوليات، وتبادل المعلومات، وحماية العاملين والمنشآت، وضمان استمرار الإنتاج والتشغيل.
وهذه واحدة من النقاط التي جعلت التواصل بين الخرطوم وجوبا يتجاوز الحسابات السياسية اليومية إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
يتبع ..
(١) من (٢)



