
في قلب القارة الإفريقية يقف السودان على مفترق طرق تاريخي تتقاذفه رياح الصراع وتتنازعه قوى داخلية وخارجية تسعى لإعادة تشكيله وفق مصالحها لا وفق إرادة شعبه فما يجري على أرضه ليس مجرد نزاعاً داخلياً بل هو مشهداً معقداً تتداخل فيه الأجندات الإقليمية والدولية وتتشابك فيه خيوط المؤامرة التي تستهدف تمزيق نسيجه الوطني وتفكيك دولته المركزية.
منذ اندلاع الحرب لم تكن المعارك مجرد صراعاً على السلطة بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتدخلات خارجية تغذي النزاع وتطيل أمده فحكومة أبوظبي التي تمد المليشيا بالسلاح وبالدعم السياسي والمالي في مشهدٍ يعكس رغبة واضحة في إبقاء السودان ضعيفاً مشلولاً غارقاً في الفوضى.
اللاعبون في هذا المشهد كثر ولكلٍ منهم مصالحه الخاصة فبعض الدول ترى في السودان بوابة استراتيجية للنفوذ في إفريقيا وأخرى تخشى من تحوله إلى قوةإقليمية منافسة وثالثة تسعى لاستنزاف موارده وإبقائه تابعاً لا شريكاً أما القوى الداخلية فهي الأخرى ليست بريئة من هذا التآمر إذ تحولت بعض النخب إلى أدواتاً طيعة في يد الخارج تبيع المواقف وتساوم على الوطن مقابل مكاسب آنية.
النفط والذهب والموقع الجغرافي كلها عناصر جعلت من السودان هدفاً مغرياً لمن لا يريد له الاستقرار فكلما اقترب من بناء دولة مدنية عادلة تدخلت الأيادي الخفية لإشعال الحرائق وبث الفتن وتأجيج الصراعات في محاولةٍ دؤوبة لإجهاض أي مشروعاً وطني جامع.
لكن رغم كل ذلك فإن الشعب السوداني يظل الرقم الأصعب في هذه المعادلة فهو الذي أسقط أنظمة مستبدة وواجه محناً جساماً وقدم تضحياتاً عظيمة من أجل حريته وكرامته وهو اليوم مدعوٌ أكثر من أي وقتٍ مضى إلى إدراك حجم المؤامرة التي تحاك ضده وإلى التوحد خلف مشروعاً وطني ينقذ البلاد من براثن التفكك والانهيار.
السودان ليس دولة عادية بل هو قلب إفريقيا النابض وعمقها الاستراتيجي وإذا ما سقط فلن يكون ذلك شأناً سودانياً فقط بل كارثة إقليمية ودولية بكل المقاييس ولهذا فإن إنقاذه ليس مسؤولية السودانيين وحدهم بل مسؤولية جماعية تتطلب موقفاً حازماً من كل من يؤمن بالسلام والاستقرار والعدالة.



