Uncategorized

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : العقول تحت القصف: الميليشيا وتزييف الوعي

 

 

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، تبرز الميليشيات كأحد أخطر التحديات التي تواجه استقرار الدول ووحدة مجتمعاتها. لم تعد هذه الكيانات المسلحة مجرد مجموعات خارجة عن القانون، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات ممنهجة لتقويض الدولة من الداخل، ليس فقط عبر السلاح، بل عبر سلاح آخر لا يقل فتكاً: تضليل الرأي العام.

الميليشيا، بطبيعتها، كيان لا يعترف بشرعية الدولة ولا يحتكم إلى مؤسساتها. تنشأ غالباً في فراغات السلطة، وتستغل هشاشة الأنظمة أو ضعفها لتفرض نفسها كبديل أو شريك قسري في الحكم. لكن الأخطر من وجودها المسلح هو قدرتها على التغلغل في الوعي الجمعي، عبر أدوات إعلامية ومنصات رقمية، لتصوغ سردياتها الخاصة وتعيد تشكيل الحقائق بما يخدم أجنداتها. إنها لا تكتفي بالسيطرة على الأرض بل تسعى للسيطرة على العقول.

تضليل الرأي العام ليس مجرد حملة دعائية عابرة، بل هو استراتيجية متكاملة تتقنها الميليشيات بمهارة. تبدأ بزرع الشكوك في مؤسسات الدولة، ثم تنتقل إلى شيطنة الخصوم، وتختتم بتقديم نفسها كمنقذ أو ممثل للشعب الحقيقي تستخدم في ذلك كل الوسائل المتاحة: من القنوات الفضائية الممولة إلى الجيوش الإلكترونية التي تغرق الفضاء الرقمي بسيل من الأخبار الكاذبة، والصور المفبركة، والمقاطع المضللة. الهدف واضح: خلق واقع بديل، تتآكل فيه الثقة، وتضيع فيه البوصلة.

ولا يمكن الحديث عن تضليل الرأي العام دون التوقف عند أحد أبرز النماذج المعاصرة: مليشيات الدعم السريع في السودان. فهذه المليشيا، ومنذ نشأتها، لم تكتفِ باستخدام العنف الممنهج ضد المدنيين، بل مارست أيضًا حربًا إعلامية شرسة، تستهدف تشويه الحقائق وتزييف الوقائع. لقد جعلت من الكذب ديدناً، ومن التضليل أداة استراتيجية، تسعى من خلالها إلى كسب تعاطف دولي زائف، وتبرير جرائمها أمام الرأي العام المحلي والعالمي. تدّعي حماية المدنيين بينما ترتكب الفظائع بحقهم، وتزعم الدفاع عن الوطن بينما تعمل على تمزيقه. أما داعموها، سواء كانوا جهات داخلية أو أطرافاً خارجية، فهم شركاء في هذا التضليل، يضخّون المال والدعاية لتلميع صورة كيان لا يعرف من الوطنية سوى اسمها، ولا من الإنسانية سوى قشورها.

ولعل أخطر ما في هذا التضليل أنه لا يستهدف فقط الخصوم السياسيين، بل يطال النسيج الاجتماعي برمته. إذ تعمل الميليشيات على تأجيج الانقسامات الطائفية، أو العرقية، أو المناطقية، لتبرر وجودها كحامٍ لفئة دون أخرى. وهكذا، يتحول المجتمع إلى فسيفساء من الشكوك المتبادلة، وتصبح الدولة عاجزة عن أداء دورها الجامع.

في هذا السياق، يصبح الإعلام الحر والمستقل خط الدفاع الأول. فمواجهة التضليل لا تكون فقط بكشف الأكاذيب، بل بإعادة بناء الثقة في الحقيقة نفسها. وهذا يتطلب صحافة شجاعة، لا تخشى المواجهة، ولا تنجر وراء الإثارة، بل تلتزم بالتحقق، والتوازن، والعمق. كما يتطلب وعياًمجتمعيًا قادراً على التمييز بين المعلومة والرأي، بين الخبر والدعاية، بين النقد والبروباغندا.

إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السلاح. فالميليشيا التي تفشل في كسب العقول، لن تنجح في فرض سيطرتها طويلاً. والعكس صحيح: حين تنجح في تضليل الرأي العام، فإنها تكتسب شرعية زائفة، وتتحول من خطر أمني إلى سرطان سياسي واجتماعي يصعب استئصاله.

لذلك، فإن التصدي للميليشيات لا يكون فقط عبر المواجهة الأمنية، بل عبر استراتيجية شاملة، تبدأ من التعليم، وتمر بالإعلام، ولا تنتهي إلا بإعادة الاعتبار لقيم المواطنة، والعدالة، والحقيقة. فالدولة التي تفقد قدرتها على رواية قصتها، تترك المجال مفتوحاً للآخرين كي يرووا قصصهم على أنقاضها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى