
في زمنٍ تتكالب فيه الأزمات وتتعدد فيه ساحات المواجهة، لم يعد السلاح وحده كافياً لحماية الأوطان، بل بات القلم أداةً لا تقلّ أهمية، وربما تفوقه أثراً في بعض الميادين. فالرصاصة الغادرة قد تقتل جسداً، أما الكلمة الخائنة فقد تفتك بأمةٍ بأكملها، وتغتال وعياً، وتشوّه تاريخاً، وتزرع الشكّ في النفوس. لذلك، لا يُعذر من يملك أدوات الكتابة ويصمت، ولا يُغفر لمن يرى الحقّ ويكتمه، فالصمت في حضرة الحقيقة خيانة، والسكوت عن الوطن جريمةً لا تُغتفر.
الكاتب ليس مجرد ناقلٍ للأحداث، بل هو شاهدٌ على العصر، وصانعٌ للرأي،وحارسٌ للوعي الجمعي. وما يخطه اليوم سيبقى غداً شاهداً عليه، فليكتب ما يسره أن يراه يوم القيامة، وليجعل من قلمه منارةً للحق، لا خنجراً في ظهر الوطن. فكل حرفٍ يُكتب في سبيل الوطن هو طلقةً في وجه الباطل، وكل سطرٍ يُسطّر دفاعاً عن الأرض هو خندقاً منيعاً في وجه المعتدين.
إنّ الأرض اليوم خصبةً، تستوعب كل حرفٍ صادق، وكل كلمةً مخلصة، وكل مقالاً يفضح عدواً أو يمجّد بطلاً. لا نملك السيف، لكننا نملك الكتاب، والكتاب أحياناً أبلغ من ألف سيف. فلنكتب، لا لنُسلي، بل لنُحيي. لنكتب حتى نلقى الله، وميراثنا محابر وأقلام، لا خناجر وكلمات خاوية.
عذراً أبا تمام، فالسيف لم يعد أصدق أنباءً من الكتب، بل صار القلم شريكاً في المعركة، وركناً أساسياً في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وحماية الحقيقة من التزييف في زماننا هذا، نحتاج إلى السيف والكتاب معاً، لكن حين يغيب السيف، يبقى القلم هو الأمل، وهو السلاح، وهو الصوت الذي لا يُكتم.
فلنُحيي يباب أرضنا، ونروي جدبها بأزاهير الأقلام الصادقة، التي تمجّد جيشنا، وتفضح سوء عدونا، وتزرع في النفوس بذور الانتماء، وتُلهب في القلوب جذوة الإيمان بالوطن. طالما نملك الريشة، وأمامنا الدواة، فلنكتب، ولنُجاهد بالكلمة، ولنُخلّد الحقيقة، حتى نلقى الله، وميراثنا مداداً لا يجفّ، وقلوباً لا تنكسر، وأقلاماً لا تخون.



