Uncategorized

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : العلاقة بين الدولة والمواطن في أوقات الأزمات

نقطة إرتكاز

 

 

يمر السودان اليوم بمرحلة مفصلية من تاريخه الحديث إذ يتعرض لحرب غير مسبوقة في عنفها وتعقيدها حرب لا تشبه الحروب التقليدية بل تتجاوزها إلى حرب مركبة تشارك فيها مليشيات مدعومة من الداخل والخارج بهدف تقويض الدولة والانقلاب عليها وتفتيتها لتسهيل الانقضاض على ما تبقى من مؤسساتها الوطنية.

في ظل هذا الواقع الكارثي يطرح سؤال جوهري نفسه هل من الواقعي مطالبة الدولة بتحسين الخدمات في وقت الحرب والإجابة ليست بسيطة ولكنها ممكنة نعم يمكن مطالبة الدولة بتحسين الخدمات ولكن بشروط تفرضها طبيعة المرحلة وحجم التحديات.

الحرب تستنزف الموارد وتعيد ترتيب الأولويات ومع ذلك لا يُعفى هذا الواقع الدولة من مسؤولياتها الأساسية تجاه مواطنيها بل على العكس تزداد أهمية هذه المسؤوليات في ظل الأزمات فالدولة مطالبة بضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية كالصحة والمياه والكهرباء والتعليم ولو بقدرات محدودة كما أنها مطالبة بإدارة الموارد بشفافية وكفاءة لتقليل الهدر والفساد وتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الملحة.

التواصل الصادق مع المواطنين يصبح ضرورة لا ترفاً فالشعب يحتاج إلى معرفة الحقائق لا إلى تجميلها يحتاج إلى فهم التحديات لا إلى تجاهلها كما أن الاستفادة من الدعم الإنساني والمنظمات الدولية لتغطية بعض الفجوات في الخدمات يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية الدولة لا بديلاً عن دورها.

وفي المقابل فإن المواطن ليس متفرجاً بل شريك في الصمود وفي أوقات الحرب تتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة ويُنتظر من المواطن أن يتحمل جزءاً من المسؤولية الوطنية فالصبر والتفهم للظروف الاستثنائية لا يعني التنازل عن الحق في المساءلة والمشاركة المجتمعية في دعم الفئات الأضعف من خلال المبادرات الأهلية والتطوعية تصبح واجباً وطنياً لا خياراً فردياً.

الرقابة الشعبية على الأداء الحكومي ومكافحة الفساد والمطالبة بالعدالة هي أدوات المواطن لحماية وطنه من الانهيار والتمسك بالقيم الوطنية ومواجهة حملات التضليل التي تستهدف زعزعة الجبهة الداخلية هي جزء من معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

في زمن الحرب لا يعني شح الموارد أن تتخلى الدولة عن التزاماتها ولا يعني الخطر الداهم أن يتنازل المواطن عن حقوقه بل المطلوب هو توازن دقيق بين الواقعية والمسؤولية المشتركة فالدولة التي تُحسن إدارة أزمتها وتُشرك شعبها بصدق تخرج من الحرب أقوى لا أضعف والشعب الذي يصمد ويشارك ويحاسب يبني دولة لا تهزمها المؤامرات ولا تسقطها الأزمات.

إن العلاقة بين الدولة والمواطن في أوقات الأزمات ليست علاقة مطالبة فقط بل علاقة بناء مشترك وصمود جماعي فالوطن لا يُحمى إلا بأبنائه والدولة لا تُصان إلا بشعبها والمرحلة تتطلب وعياً عميقاً وإرادة صلبة وتضحية من الجميع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى